بقلم: أشرف الشربيني
بينما كان المستعمر يتفنن فى إلهاء الشعوب بكل تافه ورخيص، كان تلامذة حسن البنا يبدعون فى فن (صناعة) الرجال، فيعيدون للمصريين تماسكهم واعتزازهم بهويتهم العربية والإسلامية. واحدٌ من هؤلاء الرجال كان الذكي النابه محمد عبد الملك الحلوجي.
نشأ الحلوجي في عائلة إجتمع فيها الثراء والعلم مع التصوف، فجده لأبيه كان شيخاً لمعهد دمياط الازهرى، ولعائلته تكية أمام الأزهر الشريف، تُعرف بإسم (تكية أبو الذهب الحلوجى).
تعرَّف الحلوجي على الإخوان، عندما اعتقل صديق والده وكان مسئولاً لأشبال الإخوان فى القرية، وتسبب اعتقاله في صدمة كبيرة له ولأهل قريته.
كما كان خال والدة الشيخ من الإخوان الذين اعتُقلوا عام 1954 ثم أُعيد اعتقاله عام 1965، وكان قوياً لايخشى في الله لومة لائم. يقول الشيخ: (بعد أن خرج خال والدتى من السجن عام 1969 جلس على قهوة الصيادين يحكى عن معتقلات عبد الناصر ومايحدث فيها، وعندما علمت الشرطة بذلك ذهبت اليه، وحين همّ به الضابط، قال خفر القرية للضابط: لاتقم له، لأنه إن قام، قام الناس معه)
تأثر الحلوجي في شبابه باثنين، الأستاذ القدوة محمد العدوى، فيقول عنه (كان اذا جلس وتحدث، خرج النور من وجهه). والثانى شيخ صوفي عظيم الهمة، فاقتدى بالأول وصار له مثلا، وأحب الثانى حبا جمَّا، لكنه أخذ منه وترك. فـ (إتباع المنهج أولى من إتباع الاشخاص وإن علَوا) كما يقول الشيخ.
قال له الأستاذ العدوي يوماً: (نحن لا نستسلم للواقع، بل نؤثر فيه ونصنعه، بالدين والخلق والعمل)، فعاش حياته لا يرضى بالدون وسفاسف الامور.
دخل جامعة الأزهر أواخر السبعينيات، فاختاره زملاؤه لرئاسة فريق الجوالة بالجامعة، ومثَّل جوالة الجامعة في دورة سنوية تجمع فِرق الجوالة بالجامعات المصرية، وكان معظم قادة هذه الفرق في الجامعات الاخرى إما مسيحيين أو شيوعيين، وعندما جاء دور تقديم الأبحاث، تقدَّمت جوالة الازهر ببحث عن (الزكاة في الإسلام)، وتعجب الطلبة الشيوعيون بعد سماع البحث، كيف يكون الإسلام بهذا الصورة وهم لايعرفون! وبدا تأثرهم واضحاً بما قاله الحلوجي وإخوانه، واستمر النقاش حتى الفجر مما استفزَّ الأمن!
عُرضت عليه بعد تخرجه من الجامعة عام 1982، وظيفة ذات راتب كبير، فقال له الأستاذ العدوى: (نحن أحوج اليك كمدرس منك كموظف).. فكانت الرحلة إلى اليمن السعيد.
كانت الشيوعية تخطط للإنقضاض على اليمن، فراسل أحد أكبر علمائها الشيخ يحي لطف الفسيل، الأستاذعمر التلمسانى المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين، وكان الأستاذ عمر يرى أن (الفكر لايواجه الا بالفكر).
سأل الاستاذُ الشيخَ: ماذا لديكم؟
قال الشيخ: لدينا (معاهد) نُدرِّس فيها مناهج من الكتاب والسنة.
فاقترح عليه الأستاذ إعتماد هذه المناهج من الأزهر الشريف، ثم قال للشيخ: (ونحن سنرسل لكم المعلمين والمربين)، فكان من هؤلاء محمد الحلوجي
فيقضي الفرد الإخوانى سحابة نهاره مُدرساً لأربعة فصول في اليوم الواحد، وفى المساء يكون داعياً ومربيا بين الأهالى، فاشتد إقبال الناس عليهم، ومثلما تأثَّر الشيوعيون فى (جوالة) الجامعات المصرية بالحلوجى وإخوانه، تأثروا بهم في اليمن خاصة الشباب منهم، تأثروا بحسن الخلق والمعاملة قبل البلاغة وفصيح البيان. وانحسر (بلاء) الشيوعية عن اليمن السعيد وعادت له حكمته اليمانية..
وحين ضاق النظام الحاكم في مصر بالشيخ الحلوجي، إنتقل الشيخ للحياة في السودان الحبيب، فكان وطنه الثاني. وبعد ثورة يناير إستقبل الشيخ الرئيس محمد مرسي في السودان، والشيخ حينذاك أحد قادة الإخوان الكبار. وبعد انقلاب 2013 كان الشيخ ملجأً للمصريين الفارِّين من بطش الإنقلاب، فكان لهم نعم الأخ والمعين والسند.
وعاش بعدها الشيخ عَلَماً على الدعوة ودليلاً عليها، مناصراً لدينه ووطنه وأمته، فكان نعم الرائد الذي لا يكذب أهله.
نحسب الشيخ والله حسيبه، ممن قال الله فيهم: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) الأحزاب 23
رحم الله الشيخ وأجزل له العطاء وجزاه الله عنا والمسلمين خير الجزاء.