في مشهد يجسّد الصمود الإنساني تحت القصف والحصار، برز الصيدلي خالد عودة نموذجًا للمبادرة الفردية، بعدما حوّل منزله في مدينة غزة إلى معمل بديل لإنتاج الأدوية، في محاولة للتخفيف من النقص الحاد الناتج عن الحصار الصهيوني وانهيار سلاسل الإمداد الدوائي.
ويعمل عودة، وهو صيدلي ومدرّب معتمد لدى نقابة الصيادلة في مجال التركيبات الدوائية، على توظيف خبرته المهنية لإنتاج أصناف أساسية كانت مفقودة في الصيدليات، حيث اعتمدت وزارة الصحة عددًا من هذه المنتجات، وجرى توزيعها على الصيدليات والنقاط الطبية وفق الإمكانيات المتاحة.
وأوضح عودة، في حديث له أن المواد الفعالة كانت متوفرة قبل العدوان، غير أن الاعتماد على الاستيراد كان أقل كلفة وأسهل من حيث إجراءات التصنيع، بحسب "قدس برس”.
وبعد وقف إطلاق النار وعودة عودة إلى مدينة غزة، تبيّن أن جزءًا من المعمل لم يتعرض للتدمير، ما دفعه إلى التعاون مع زملائه من الأطباء والصيادلة وطلابه لاستخراج المواد الفعالة محليًا، وإنتاج أصناف دوائية ضرورية ضمن إمكانيات محدودة للغاية، شملت مطهرات وكريمات جلدية ومسكنات للآلام، إضافة إلى بعض أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكري.
وواجه عودة تحديات كبيرة، أبرزها النقص شبه الكامل في المواد الخام، الأمر الذي اضطره إلى البحث عن حلول بديلة، شملت إعادة التدوير واستخدام مواد طبيعية بدل الصناعية، مثل استبدال الزيوت المستخدمة في تحضير المراهم بزيت الزيتون، واستخلاص مواد فعالة من النباتات، فضلًا عن إعادة فحص أدوية قاربت على انتهاء صلاحيتها وتحويلها إلى مراهم ومضادات حيوية موضعية أثبتت فاعليتها ميدانيًا.
وأكد عودة أن التصنيع المحلي للأدوية كان شبه غائب خلال السنوات الماضية نتيجة توفر الأدوية في الأسواق، إلا أنه بات اليوم ضرورة ملحّة في ظل الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي في غزة.
وأشار إلى أن الكميات المنتجة لا تلبّي الاحتياجات الهائلة لسكان القطاع، لكنها تمثل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لافتًا إلى أن أي جهد، مهما كان محدودًا، قد يحدث فرقًا في هذه الظروف القاسية.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه قطاع غزة أزمة صحية حادة، بفعل النزوح القسري الذي طال نحو 90% من السكان، وتكدسهم في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الصحية، ما أسهم في انتشار الأمراض الجلدية، وتفاقم حالات الحروق والتهابات الجروح، إلى جانب نقص المياه النظيفة ومواد التعقيم.
وفي هذا السياق، توجهت العديد من النقاط الطبية والمراكز الصحية الميدانية إلى الصيدلي خالد عودة طلبًا للمساعدة، في مسعى لسد فجوة علاجية آخذة في الاتساع.
ووفق بيان صادر عن وزارة الصحة في غزة، تجاوزت أزمة نقص المستهلكات المخبرية مستويات كارثية، حيث بات نحو 75% من مواد فحص الكيمياء غير متوفرة، فيما وصل 90% من أرصدة مواد فحوصات ونقل الدم إلى الصفر، وتوقفت فحوصات أساسية لمرضى الغدد والأورام وزراعة الكلى وأملاح الدم وفحص CBC، إضافة إلى نفاد 72% من مواد فحص المزارع البكتيرية.
وأشار البيان إلى أن مواد المختبرات وبنوك الدم لم تدخل إلى القطاع منذ أشهر، ما فاقم من حدة الأزمة، وأعاق تشخيص المرضى وإجراء العمليات الجراحية.
ويأتي ذلك في ظل الدمار الواسع الذي خلّفه العدوان الصهيوني منذ السابع من أكتوبر 2023، والذي شمل القتل والتجويع والتهجير والاعتقال وتدمير البنية التحتية، مخلفًا خسائر بشرية جسيمة بين الشهداء والجرحى، إضافة إلى أعداد كبيرة من النازحين والدمار الشامل في مختلف مناطق القطاع.