بقلم: د. محمد دمان ذبيح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد.
إن خبر استشهاد رجال من خيرة أبناء الأمة نزل علينا بكل صراحة وصدق كالصاعقة، فما ترك لنا عينا تبكي، ولا لسانا يتكلم، حتى أصبح الجسم يعيش في عزلة عن الواقع، وانفصال عن الذات، يتساءل معها عن حقيقة حاضر هذه الأمة، وعن آفاق مستقبلها سواء كان على المدى القصير أو البعيد.
ولا شك أن موت هذا النوع من الرجال يعد خسارة ليس للأمة فقط، بل للعالم أجمع، لأنه النوع الذي يعطي معنى للحياة، ويعيد البشرية إلى الطريق الصحيح، وذلك بإحقاق الحق، وإبطال الباطل.
وصدق الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه عندما قال:
لعمرك ما الرزية فقد مال *** ولا شاة تموت ولا بعيـر
ولكن الرزية فقـد حر *** يموت بموته خلق كثير
ولكن في الوقت نفسه، وبقراءة سننية يحدثنا التاريخ عن الحرية، وعما تتطلبه من تضحيات جسام سواء بالنفس، أو بالمال، أو بأعز ما يملك المجتمع من ثروات وغيرها..
وليس ببعيد اسألوا الجزائر عن أكثر من مليون ونصف مليون شهيد ضد الاستعمار الفرنسي من سنة 1954م إلى سنة 1962م، كما قال شاعر الثورة مفدي زكريا رحمة الله تعالى عليه:
نوفمـــبر جلّ جلالك فينا *** ألست الذي بث فينا اليقينا
سبحنا على لجج من دمانا *** وللنصر رحنا نسوق السفينا
وثرنا، نفجر نارا ونورا *** ونصنع من صلبنا الثائرينا
ونلهم ثورتنا مبتغانا ٭٭٭ فتلهم ثورتنا العالمينا
ويقول الزعيم الثائر "تشي جيفارا": "ليس هناك إلا قلة قليلة من البلدان التي تساوي في رمزيتها الجزائر، إحدى عواصم الحرية الأكثر بطولة، فليلهمنا الشعب الجزائري العظيم، الذي تمرس الشدائد لنيل استقلاله، كما لم يتمرس مثله إلا القلة من الشعوب".
وبالتالي فهذه سنة كونية لن تجد لها تحويلا، ولا تبديلا، فالحرية لا بد لها من دماء، ودموع، وأرواح، ولا شيء يغلو على الحرية، واسترجاع الحق المغصوب ظلما وعدوانا.
ثم إن المقاومة تظل تنتقل من جيل إلى جيل حتى تحقق مبتغاها، وتصل إلى منتهاها من خلال القضاء على الظلم والاستبداد، واسترجاع كرامتها وعزتها، وما ضاع حق وراءه مطالب يؤمن به، ويدافع عنه بإصرار وثبات.
ذلك لأن المقاومة فكرة، والفكرة لن تموت، حتى وإن أصابها الوهن، والضعف في مرحلة من مراحلها -وهذا شيء طبيعي- فهي ستسترجع عافيتها، وتجدد قوتها بالشكل الذي يجعلها في منزلة الغالب لا المغلوب، وفي دائرة المنتصر لا المهزوم.
ومن هنا فإن المحتل، أو الكيان الغاصب عندما يرى المقاومة في الأشخاص، أو أن القضاء عليها مرتبط بالقضاء على أصحابها فهو واهم، وبعيد كل البعد عن الحقيقة التاريخية، والسنن الكونية التي تفند هذا المفهوم الخاطئ، وهذا الاعتقاد المخالف للحق والصواب.
كم من رجال ماتوا في سبيل فكرة يؤمنون بها، فغابت أجسامهم، وما غابت أرواحهم، ولا أفكارهم، بل بالعكس ازدادت قوة وصلابة حتى تحقق النصر، ورفعت رايته في مشارق الأرض، ومغاربها.
وإن كنتم في ريب مما أقول فاقرأوا معي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾ [القصص: 05]،
واقرأوا أيضا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 109 - 111].
ويقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: "شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".[1]
وإنها الرسالة التي أرادها سيد قطب رحمة الله تعالى عليه أن تصل إلى العالم أجمع عندما قال: "إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة".
نعم كتبت لها الحياة، فلا تفنى ولا تموت، لأنها تحمل في طياتها سر البقاء، وسر الخلود، والذي أراه يتمثل في هذه العوامل الثلاثة:
أولا: أن تكون الفكرة ربانية المصدر، أي أن مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وليس من صنع البشر، أو أهوائهم، قال الله تعالى؛ ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ * إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصا لَّهُ ٱلدِّينَ*﴾ [الزمر:01-02]، فالفكرة إذا كانت بشرية بحتة، فستموت في مهدها، وستتخبط في دائرة من التناقض، والتعارض، والاختلاف، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: 82].
ثانيا: أن تورث هذه الفكرة من جيل إلى آخر، كما هي صافية نقية، دون أن يعتريها التغيير، أو التبديل، بمعنى آخر تبقى محافظة على مبادئها، وأهدافها التي أنشئت من أجلها، لأن أي انحراف عن المبادئ، والأهداف، وعن المنهج ستكون العواقب وخيمة، والنتيجة قاسية جدا.
إن الحفاظ على الفكرة كما هي مهما طال الزمن ليعد من أمانة الإسلام، ومن العهد الذي لا يحافظ عليه إلا الرجال، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له".[2]
ثالثا: أن يحمل هذه الفكرة الرجال، الذين يبذلون النفس والنفيس في سبيل نصرتها، وفي سبيل رفع رايتها داخل الديار وخارجها، قال الله تعالى: ﴿من الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا*﴾ [الأحزاب: 23-24].
فالفكرة إذا لم يتبناها، ويدافع عنها الرجال، فستظل حبيسة الزمان والمكان، دون أن تبرح موقعها، أو عتبة دارها.
وإنني أرى هذا العامل يمثل مربط الفرس كما يقال، فبه تولد الفكرة من جديد، وبه تبقى ثابتة ،شامخة، رغم الأعاصير، والضربات التي تتلقاها من هنا وهناك، ولعله المعنى الذي أراده فاروق الأمة رضي الله عنه عندما قال لأصحابه رضي الله عنهم: "تَمنَّوْا، فقال أحدُهم: أتمَنَّى أنْ يَكونَ مِلءُ هذا البَيتِ دَراهمَ فأُنفِقَها في سَبيلِ اللهِ، فقال: تَمنَّوْا ، فقال آخَرُ: أتمَنَّى أنْ يَكونَ مِلءُ هذا البَيتِ ذَهبًا فأُنفِقَه في سَبيلِ اللهِ، قال: تَمنَّوْا، قال آخَرُ: أتمَنَّى أنْ يَكونَ مِلءُ هذا البَيتِ جَوهرًا -أو نحوَه- فأُنفِقَه في سَبيلِ اللهِ، فقال عُمَرُ: تَمنَّوْا، فقالوا: ما تَمنَّيْنا بعدَ هذا، قال عُمَرُ: لكنِّي أتمَنَّى أنْ يَكونَ مِلءُ هذا البَيتِ رِجالًا مِثلَ أبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، ومُعاذِ بنِ جَبلٍ، وحُذَيفةَ بنِ اليَمانِ، فأستعمِلَهم في طاعةِ اللهِ".[3]
وأخيرا أقول:
- رحمة الله تعالى على كل شهداء الأمة، الذين قاموا بواجبهم على أكمل وجه.
- إن مقاومة الأمة ستبقى راسخة مهما كانت الظروف، والصعاب، وستكون كتلك الشجرة الطيبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وسينصر الله تعالى دينه بعز عزيز، أو ذل ذليل، فلنتفاءل، ولنتذكر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه بعد العودة من الطائف، أين تمر الدعوة الإسلامية بأصعب الظروف على الإطلاق: "يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه".[4]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - رواه البخاري برقم 6943
[2] - أخرجه أحمد برقم 12567
[3] - أخرجه الحاكم برقم 5005
[4] - ابن القيم ، زاد المعاد ، ص : 203.