لم تسلم ثروات السودان من تدمير ممنهج على مدى عامَين ونصف العام من مليشيات الدعم السريع، إذ تأثرت قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية من التخريب الشامل، وطال التخريب الإنتاج الزراعي، وانتشرت الأمراض بين الحيوانات، ولم تنجُ غابات الصمغ العربي من القطع الجائر، بل استخدمت مليشيا الدعم السريع أساليب متعدّدة جعلت من أرض السودان الزراعية مسرحاً للنهب والسلب؛ فسرقت المحاصيل، وهربت الصمغ العربي، وأعاقَت الحركة الطبيعية للثروة الحيوانية، ومنعت الأمصال الخاصة بالماشية من الدخول إلى مناطق الإنتاج، ودمرت البنية التحتية للحقول المنتجة لأعلاف الماشية.

نتيجة لذلك؛ شُرِّد كثيرون من مناطق الإنتاج وقُتِل آلاف المنتجين، وأُغلقت الأسواق وأبواب التصدير للعديد من المحاصيل، الأمر الذي أثَّر بصورة مباشرة على شكل الحياة اليومية في مناطق الإنتاج، فأصبح المنتج والمُصدِّر والمستهلك إمّا نازحاً يتلقى المعونات ويبحث عن الأمان، أو مستقراً في منطقته ليشهد أحد أعنف أساليب التعذيب والجوع الممنهج.

خسائر الزراعة

 

أصبح كثير من المناطق الزراعية في السودان خارج دائرة الإنتاج، يقول نائب رئيس تجمّع مزارعي السودان، غريق كمبال، لـ"العربي الجديد" إنّ الثروات الزراعية تعرضت لدمار واسع، بما في ذلك هيئة البحوث الزراعية والمشاريع الكبرى التي تُمثل المحرك الأساسي للعملية الزراعية في ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق والجزيرة وكردفان.

يضيف أنها تعرضت لتجريف كبير من مليشيا الدعم السريع، ما أدى إلى خسائر اقتصادية، مع تدمير ونهب المعدات الزراعية والمحاصيل، وتوقُّف الإنتاج تماماً في مناطق الجزيرة وسنار ودارفور التي أصبحت أكثر تضرّراً، وهي التي كانت الأكثر إنتاجاً، ما شكَّل تهديداً للأمن الغذائي. يتابع أن أغلب المشاريع الزراعية أصبحت مقار وثكنات للمليشيا، إذ تتطلب إعادة تأهيلها سنوات، كما يشير إلى أنّ مشروع الجزيرة خسر كل آلياته وقنوات وأبواب الري ومنشآته التحتية من مخازن ومعامل.

وزير الزراعة عصمت قرشي قال في تصريح مؤخراً إنّ الأضرار التي لحقت بالقطاع متعدّدة، مؤكداً أن التقديرات الأولية لخسائر القطاع الزراعي تجاوزت مئة مليار دولار، ورغم أنها تقديرات أولية، فإنه لا يمكن تجاوزها.

من جانبه، قدّر الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي، في تصريحات صحفية بداية الشهر الجاري، أن السودان تكبّد خسائر في بنيته التحتية تُقدّر بنحو 200 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في إبريل 2023، مشيراً إلى أن نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي دُمّر خلال السنة الأولى للنزاع، وفقاً لتقديرات بنك التنمية الأفريقي.

 

المزارعون يقولون إنّ ما دُمّر في القطاع الزراعي معلوم لا تُخطئه الأعين، لكن هناك آثار أخرى تركتها المليشيا على المزارعين، من بينها الأثر النفسي الذي طاول معظمهم ما بين القتل والتشريد، إذ فقد القطاع أجيالاً من المعارف الزراعية عند نزوح الأسر، ويؤكّد المزارع بابكر الشريف في حديثه لـ"العربي الجديد" أن المليشيا أجبرت كثيراً من المزارعين على ترك العمل في المجال بسبب ما تعرضوا له، فمنهم من هاجر وآخرون مصابون بإصابات متفاوتة جراء ما حدث لهم من انتهاكات.

 

ووفقاً لدراسة أجرتها وزارة الزراعة في سبتمبر الماضي، فإنّ المساحة التي خرجت عن الإنتاج بسبب تغوُّل المليشيا تزيد عن 21 مليون فدان ضمن المشاريع المروية.

وفي المقابل، يقول مسئول ببنك الموارد الوراثية التابع لهيئة البحوث الزراعية علي زكريا إن السودان خسر حوالى 17 ألف مورد وراثي ومعه معامل بحثية بولاية الجزيرة، إذ دمرت المليشيا هناك مقرّ بنك الموارد، ما يعني فقدان وضياع كميات ضخمة من المواد الخام التي تساعد في المجالات البحثية وتحسين التقاوي وزيادة الإنتاج. يضيف أن فقدانها يؤثر سلباً على الأمن الغذائي.

ضربات للثروة الحيوانية

لم يسلم قطاع الثروة الحيوانية من تداعيات الحرب في السودان، التي امتدت إلى بنية الصادرات، ووجد العاملون في القطاع أنفسهم أمام تحديات غير مسبوقة نتيجة الحصار المُحكَم في المناطق وانتشار مليشيات الدعم السريع في غالب المناطق المنتجة وأسواق الماشية، ما أدى إلى انتشار الأمراض وموت الكثير من الماشية، كما وجد المصدرون والمستثمرون أنفسهم أمام تحديات، من ضمنها إعاقة الحركة التجارية وقفل الطرق، في الوقت الذي وجهت فيه منصة ولاية الجزيرة "وسط السودان" اتهامات صريحة للمليشيا بتدمير ونهب 60% من الثروة الحيوانية بالولاية.

 

أحد منتجي الماشية، محمود هارون، يقول لـ"العربي الجديد": "فقدنا أعداداً كبيرة من الماشية بسبب المرض وعدم توفر العلاج، إذ تمنع المليشيات دخول أي علاج أو خروج أي ماشية من مناطق الإنتاج في كردفان ودارفور، كما أن انتشار السلاح والمخدرات أثَّر بطريقة كبيرة على بيئة الماشية فمات معظمها بسبب تعرضها للسموم".

الطبيب البيطري محمد أبو طالب يوضح أنّ القطاع تعرض للتدمير الممنهج، وتزايدت الأمراض على نحوٍ ملحوظ، نتيجة لضعف الخدمات البيطرية وعدم توفر اللقاحات، ويقول: "لجأ كثير من المُربِّين لدول الجوار لاستجلاب الأمصال، لكنّ مليشيا الدعم السريع كانت لهم بالمرصاد، ما أدى إلى توقف الحركة في الأسواق وأُغلقت معظم أسواق الماشية في الولايات المنتجة".

ويقول مقرِّر شعبة مُصدِّري الماشية، خالد محمد خير: "لقد تدمر قطاع الثروة الحيوانية خلال فترة الحرب، شمل ذلك البُنيَات الأساسية من معامل ومحاجر ومسالخ ومراكز البحوث وهيئة أبحاث الثروة الحيوانية، فضلاً عن فقدان الكثير من الإمكانيات.

 

وحدثت إشكاليات وصعوبة في الوصول إلى مناطق الاستهلاك، كما تعرضت الإبل والدواجن لكثير من الإشكاليات، وزاد تهريب الضأن والإبل"، ويتابع: "للأسف، حدث تهريب في إناث الضأن والإبل ونهب ممنهج عبر آليات التهريب المُقنَّن". ويضيف أنه في الفترة من إبريل 2023 حتى يونيو 2024، فقدت الدولة أكثر من 8 ملايين رأس، مع ما شاب عملية التصدير من تزوير، خصوصاً مع فقدان بنك السودان مستنداته.

نهب الصمغ العربي في السودان

 

تنتشر مليشيات الدعم السريع في ثلاث من إجمالي أربع طرقات رئيسة مؤدية من وإلى مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وهي واحدة من أهم مناطق إنتاج الصمغ في البلاد، وتقوم بالسيطرة على تجارة الصمغ العربي وتحقيق أرباح من خلال فرض رسوم على الإنتاج وتهريبه. وحينما تمدَّد القتال إلى مناطق أخرى في السودان، توقف أكثر من 80% من المنتجين عن الإنتاج، وارتفعت نسبة الفشل في جني المحصول، إلى جانب المخاطر التي ظلّ يتعرض لها المنتجون، وسط ارتفاع نسبة الفشل في جني المحصول، حسب مراقبين.

ويُقدِّر منتجو الصمغ الإنتاج قبل الحرب بحوالى 50 ألف طن من صمغ "الهشاب". ويقولون إنّ الحرب لم توقف التصدير رغم كلفته العالية، إذ ارتفع حافز السائق إلى مئات الألوف من الجنيهات، وكذا الترحيل، بينما زادت الرسوم الرسمية من زكاة وغيرها إلى أرقام فلكية، يُضاف إليها رسوم أخرى فرضتها مليشيا الدعم السريع بواقع مليون جنيه على الشحنة الواحدة، كما زادت أجور عمال الشحن والتفريغ.

ويقول أحد المنتجين، محمد الحسن إنّ بعض منتجي الصمغ الذين قرّروا تصديره يضطرون إلى دفع ملايين الجنيهات عند الوصول لنقاط تفتيش نصبتها عناصر من مليشيا الدعم السريع، كما يعرض بعض الجنود على المصدرين مرافقة الشحنات وتأمينها نظير مبلغ مالي كبير.

ويمرّ الجزء الأكبر من الصمغ العربي حالياً عبر مدينة الأبيض لتصديره من خلال منافذ برية في الحدود مع دولتَي تشاد ومصر، كما يصل جزء من التصدير إلى بورتسودان على البحر الأحمر بعد رحلة طويلة ومُكلِفة للغاية، كما يقول أحد المصدرين.

أما رئيس الاتحاد التعاوني النوعي لمنتجي الأصماغ الطبيعية بالسودان، عوض الله إبراهيم آدم، فيقول إنّ مليشيا الدعم السريع عملت على تدمير غابات كاملة للصمغ في منطقة الرهد بولاية شمال كردفان، وتعاملوا مع الأشجار بوحشية عبر القطع الجائر، كما أنّ معظم الإنتاج هُرّب إلى جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد، فضلاً عن تقلص الإنتاج والتصدير إلى نسبة 20% فقط، وانحسر الإنتاج في مناطق محدودة.