بعد شهر ونصف من إعلانه تدابيره الاستثنائية، يبدو أن الرئيس التونسي قيس سعيد يتجه – حسب المراقبين – نحو عزلة سياسية، وهو ما يفسر موجة الاستنكار الواسعة التي قوبلت بها التصريحات الأخيرة لمستشاره والتي أعلن فيها نية سعيّد تعليق العمل بالدستور وإعداد دستور جديد للبلاد.
وكان وليد الحجام، مستشار الرئيس قيس سعيد، أكد، في تصريحات صحفية، أمس الخميس، وجود توجه لدى الرئيس لتغيير نظام الحكم في البلاد، مشيرا إلى أن هذا الأمر يتطلب تعليق الدستور وإعداد دستور جديد يتم عرضه على الاستفتاء الشعبي.
وأثارت تصريحات الحجام موجة استنكار واسعة في البلاد، حيث طالب حزب التيار الديمقراطي (مقرب من الرئيس) الرئيس سعيد بتوضيح موقفه من هذه التصريحات ويذكره بضرورة احترام الدستور والعمل ضمن فصوله التزاما بما تعهد به في كلمته للشعب في 25 يوليو وباليمين الدستورية التي أداها. واستنكر الضبابية التي تعتمدها رئاسة الجمهورية عبر مقاطعة الإعلام التونسي والشركاء الوطنيين مما يمس بحق التونسيات والتونسيين في المعلومة وفي المشاركة في تقرير مصيرهم ويفتح الباب أمام القرارات الأحادية والتدخلات الأجنبية.
واعتبر الحزب أن سبب الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يعود أساسا إلى الدستور أو نظام الحكم بل إلى استشراء الفساد داخل الطبقة الحاكمة وفي مفاصل الدولة وسوء اختيار المسئولين وانعدام الكفاءة وغياب البرامج. ويرفض أي محاولة فردية لتغيير العقد الاجتماعي واستغلال حالة الغضب المشروعة للتونسيات والتونسيين لفرض خيارات سياسية لا تحظى بتوافق.
كما طالب الحزب قيس سعيد بوضع حد لحالة تجميع السلطات في غياب أي سلطة رقابية أو تعديلية ولتعيين رئيس حكومة بتوجه اجتماعي واضح لا يخضع للاملاءات الخارجية ويعمل بكامل الصلاحيات الدستورية على حل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والصحية وإنقاذ المالية العمومية.
وكتب مؤسس الحزب محمد عبّو، والذي سبق أن دعا سعيد لتفعيل الحالة الاستثنائية في البلاد، "من المفروض أنه قد تم اللجوء إلى الفصل 80 (الذي يفرض الحالة الاستثنائية) أساسا للقطع مع حكم العصابات، لا لتغيير الدستور الذي يمكن أن يتم تعديله لاحقا في حدود الفصول 3 و143 و144 من الدستور، في ظل برلمان جديد".
وخاطب سعيّد بقوله: "سيدي الرئيس تم الاستنجاد بك لتطبق الفصل 80 وتفكك منظومة الفساد السياسي التي جثمت على صدر الدولة ولتؤسس لدولة قانون، ثم تنهي الحالة الاستثنائية حال عودة القضاء والأمن والإدارة إلى سيرهم الطبيعي طبق مهامهم المرسومة بالقانون. لو نجحت في ذلك، وأنت قادر بما تحت يدك الآن من صلاحيات واسعة، فهناك في البلاد ما يسمح بتطويرها وإخراجها من أزمتها في بضع سنوات وسيحسب لك ذلك".
وأضاف عبو "محاولة إقناع الناس بأن الدستور هو سبب تخلفهم، لا يختلف عن محاولات سابقة طيلة عشر سنوات لإقناعهم بأن الحل يكمن في حزب ذي مرجعية دينية أو في انتخاب من ادعى حداثة، أو أنه يكمن في إرجاع المنظومة السابقة إلى الحكم".
وقال حزب تونس الإرادة إن تصريح مستشار الرئيس حول تغيير الدستور "يثبت المنحى الانقلابي الذي اتبعته رئاسة الجمهورية منذ 25 جويلية وينزع كل المبررات التي قدّمت لمحاولة تمكينه من غطاء دستوري. كما أن هذا العمل يستوجب المحاكمة على معنى الفصل 72 من المجلة الجزائية".
وأشار الحزب، الذي يقوده الرئيس السابق منصف المرزوقي، إلى أن "التلحف بمقولة المساندة الشعبية هو سلوك ساقط دستوريا واخلاقيا وهو عملية تحيّل على الشعب وتدليس، غايته تنفيذ مخططات القوى المضادة للثورة في العودة إلى دولة التسلط وحكم الفرد. كما أنه يمثل بيعا لأوهام التغيير بمجرد تغيير نص دستوري بآخر للتغطية على عجز في إيجاد الحلول الشاملة".
وكتب عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري "صرح مستشار رئيس الجمهورية بأن الدستور الحالي أصبح عائقا ويتجه تعليق العمل به نحو إقرار نظام رئاسي. وهو نفس الدستور الذي أقسم قيس سعيد على أحترامه".
وأضاف "مستقبل النظام السياسي شأن وطني يهم كل التونسيين ولا يجوز لرئيس الجمهورية الاستفراد به وتحويره ليتماهى مع قناعاته، والا لكان لزاما كتابة دستور جديد لكل رئيس منتخب. الدساتير تطور وتعدل ولكن وفق الصبغ الدستورية ذاتها، في مناخ حوار وطني مفتوح، ولا تستفرد به جهة دون غيرها".
ويأتي ذلك في وقت يشتكي فيه حلفاء الرئيس وخصومه من هجمات واسعة يتعرضون لها مع عائلاتهم من قبل "الذباب الإلكتروني" المؤيد للرئيس وذلك ردا على انتقادهم لأداء سعيّد، وهو ما دفع بعضهم لدعوة الرئيس إلى لجم "ميليشيات الحشد الشعبي" والتي باتت تهدد أيضا عشرات الصحفيين بعد استضافتهم لشخصيات سياسية عبّرت عن رفضها للتدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد.