كشف تحقيق جديد لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" ومقرها نيويورك، عن 14 وفاة وعشرات الإصابات بفيروس كورونا في مصر في السجون وأقسام الشرطة (10 مراكز احتجاز) وسط تعتيم رسمي وإعلامي صارم.
وقال التحقيق إن السلطات أفرجت عن 13 ألف سجين ليس بينهم سجين سياسي واحد، بينما تستمر معاناة السجناء دون حد أدنى لائق من الرعاية الطبية أو الإجراءات الوقائية.
ونقلت المنظمة رسائل مسرّبة من سجنَين، وتقارير موثوقة لمجموعات حقوقية ووسائل إعلامية محلية أثبتت صحة الارقام التي توصلت إليها. وأكدت المنظمة أن الرعاية الطبية في السجون غير كافية، مع غياب شبه كامل للفحص المخبري للفيروس والمسح الطبي للكشف عن الأعراض.
وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي للسلطات المصرية أن تتّخذ خطوات فورية لتأمين الرعاية الطبية الملائمة للمحتجزين، والتدابير لاحتواء تفشي فيروس كورونا. من الضروريّ أن تعالج مصر انتشار الفيروس عبر الإسراع في الإفراج عن السجناء".
اكتظاظ ومشاكل أخرى
وقال التحقيق إن "هيومن رايتس ووتش" تواصلت مع خمسة سجناء في ثلاثة سجون، وعشرة من أقرباء وأصدقاء ومعارف 11 سجينا آخرين في ستة سجون أخرى وفي قسم للشرطة.
وأوضحت المنظمة أن الاكتظاظ جعل التباعد الاجتماعي مستحيلا، وأن سلطات السجن لم تتّخذ أي تدابير لتتبّع المخالطين، ولم تفعل شيئا يذكر لعزل السجناء الذين تظهر عليهم أعراض، وأنه في بعض الحالات، خصصت السلطات زنزانة أو أكثر في السجن نفسه للسجين أو السجناء الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة بالفيروس.
وأضافت أن السجون لم تتّخذ أي تدابير خاصّة لحماية المجموعات المعرّضة لخطر أكبر مثل السجناء الكبار في السن والأشخاص الذين لديهم حالات مرضية سابقة. كما لم يسمح الضباط في ثلاثة سجون على الأقلّ للسجناء بالحصول على الكمامات أو وضعها، بحسب الشهود.
ونقلت المنظمة الدولية عن منظمة "كوميتي فور جستس" المصرية، ومقرّها جنيف، بأنّها وثّقت أكثر من 190 إصابة مشتبه بها بفيروس كورونا في 12 سجنا و29 مركز شرطة، بما في ذلك أكثر من 160 سجينا و30 موظفا وعنصر أمن في وزارة الداخلية، وأن ذلك يشمل 14 حالة وفاة مشتبه بها بين السجناء في خمسة مراكز شرطة وخمسة سجون في أربع محافظات.
عقاب جماعي
ونقلت المنظمة عن الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم إنّ السجناء يخشون العقاب الجماعي في حال تسريب أخبار من سجنهم. وقال التحقيق إن عناصر "قطاع الأمن الوطني" في السجون يستدعون السجناء بانتظام ويستجوبونهم لدى نشر أيّ أخبار عن سجونهم.
وأوضحت أن عقوبات بالنقل إلى سجون بعيدة أو مصادرة متعلقات السجناء، ومنها منتجات النظافة الشخصية الضرورية والملابس. في أحد السجون، قال السجناء إنّهم تعرّضوا للضرب والاعتداء الجسدي لدى الشكوى من ظروفهم.
جهود أهالي
وكشفت المنظمة عن قلق الأهالي وتدخلهم، بعد أن ظهرت في أحد السجون الرئيسية في القاهرة، والذي يضمّ مئات السجناء، سجين ظهرت عليه أعراض كوفيد-19، بما في ذلك السعال، وأوجاع الجسم، وفقدان الشمّ والذوق، والحمّى، وإنّ ستة من السجناء في زنزانته تقريبا ظهرت عليهم أعراض مشابهة في أواخر مايو وبدايات يونيو.
وأضافت أن العائلات تمكّنت من تأمين الأدوية والطعام بشكل شبه منتظم، لكنّ مديري السجن لم يوفروا سوى القليل من هذه المستلزمات، ونقلا عن سجين قال: "جميع عنابر السجن تضمّ سجناء لديهم أعراض كوفيد-19، لكنّ الفحص المخبري PCR غير متوفّر".
وعيّنت إدارة ذلك السجن زنزانة أو زنزانتين للسجناء الذين اختاروا الانعزال بعد ظهور أعراض الإصابة بالفيروس عليهم، لكنّها لم تفرض عليهم ذلك.
وقال المتحدث إنّ عناصر السجن أخبروا السجناء بأنّهم سينقلون المرضى منهم إلى مستشفى إذا ارتفعت حرارتهم أو وجدوا صعوبة شديدة في التنفّس طوال خمسة أيام.
وكشف التحقيق أن العائلات أمّنت بعض أسطوانات الأوكسيجين ومقياسات تأكسج النبض، التي تقيس مستويات الأوكسيجين، في الدم للعيادة الصغيرة في السجن. أضاف أنّ أطبّاء السجن توقّفوا عن زيارته بعد سماح الضباط للسجناء الأطبّاء بتولّي مسؤولية رعاية زملائهم المرضى. قالت هيومن رايتس ووتش إنّ هذه التدابير لا تراعي المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
وأمّنت إدارة السجن فحوصات تفاعل سلسلة البوليميراز أو PCR لسجينَين فقط، لكنّها لم تؤمّن أي فحوصات إضافية على الرغم من إصابة عدد من السجناء بأمراض تنفسية، على حدّ قوله. أضاف أنّ الضبّاط، والعساكر، وموظفي السجن لم يرتدوا الكمامات أو يتّخذوا أي تدابير، بحسب المنظمة.
مطالب المنظمة
وقالت "هيومن رايتس ووتش" إنّ على السلطات أن تجري فحوصات واسعة النطاق للسجناء، وتسرع في الإفراج عنهم، وتجعل المعلومات المتعلّقة بتفشي فيروس كورونا في السجون علنية، وتسمح للسجناء بتواصل منتظم مع محاميهم وعائلاتهم. ينبغي أن تنشئ الحكومة قاعدة بيانات عامّة على الإنترنت حول السجون في مصر، تشمل معلومات محدّثة عن قدرة استيعابها ومعدّل إشغالها.
وأضاف "ستورك": "بدلا من تأمين الرعاية الطبية الملائمة والتدابير الصحية اللازمة لمنع تفشي فيروس كورونا، تحاول الحكومة المصرية التعتيم على أزمة صحية خطيرة في السجون. يستحقّ السجناء، وعائلاتهم، والشعب المصري معرفة المخاطر الصحية التي يواجهونها وما تفعله الحكومة للتعامل مع هذه المخاطر".
وأشارت إلى أن قوانين السجن المصرية تنص على بعض حقوق الرعاية الصحية، وأن القرار 79 لوزارة الداخلية للعام 1961 (اللائحة الداخلية للسجون) أنّ إحدى مهام أطبّاء السجون هي حماية السجناء من "الأمراض الوبائية"، بما يشمل الحجر الطبي. يلزم قانون السجون للعام 1956 سلطات السجن بأن تعلم عائلة السجين فورا في حال إصابته بمرض خطير.
وكشفت المنظمة أنه قلّما تحترم السلطات القوانين المحلية والدولية، لا يُسمح للمجموعات المستقلّة بالوصول إلى السجون المصرية، وتفتقد هذه الأخيرة منذ عقود لرقابة قضائية أو مستقلّة جادة. السجون مكتظة ومخالفة لقواعد النظافة الشخصية.
وأضافت أنه بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على الحكم فعليا في العام 2013، مات العشرات، إن لم يكن المئات على الأرجح، من السجناء في الاحتجاز، وجاءت وفاة الكثيرين منهم بعد تعذيب ونقص الرعاية الطبية.
لم يتمّ التحقيق في أي من حالات الوفاة هذه تقريبا بشكل مجدٍ. قال خبيران من "الأمم المتحدة" في نوفمبر 2019، قبل وباء كوفيد-19، إنّ ظروف الاحتجاز الجائرة "قد تعرّض صحة وحياة آلاف السجناء الإضافيين للخطر الشديد".