قامت الدنيا ولم تقعد وانتفضت وسائل الإعلام المختلفة على خطأ "لا يحتمل" من معلمة في محافظة الشرقية؛ عن سؤال وضعته في مادة اللغة العربية في فرع "التعبير"، تطلب فيه من الطلاب إرسال برقية تهنئة إلى حزب الحرية والعدالة؛ تهنئةً له على فوزه وحصوله على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية، وأحيلت المعلمة إلى التحقيق هي ومديرها على هذه الجريمة التي لا تغتفر، وأصاب الرعب كل من قرأ الخبر المزعج: ما هذا؟ هل سيعود عهد الحكم الشمولي؟ وهل سيعود عهد حسني مبارك بما يحمله من امتهان لكرامة الإنسان وعصر النفاق الذي لا يحده حد؟ تسييس التعليم وإدخال الطلبة الصغار في تلك المعمعة.
وأخذت البعض الحمية حتى لقد كادوا يقيمون حدَّ الحرابة على المعلمة المتحمِّسة، وبصرف النظر عن قبول ذلك الفعل من عدمه فإن الأمر لم يكن يستحق أبدًا كل تلك الضجة الإعلامية المفتعلة، خاصةً بعد أن تبرأ حزب الحرية والعدالة وكل فرد في جماعة الإخوان المسلمين من تلك الواقعة، والأمر عند هذا الحد انتهى بكل ما فيه من لغط، أما الأعجب من هذا والذي يثير كثيرًا من علامات التعجب والاستفهام هو ما حدث بعدها من وضع أسئلة في الامتحان ابتداءً من الجامعة بوضع أسئلة تُسيء أيما إساءة إلى الحزب وإلى الجماعة التي نعتوها "بالمحظورة "، وحين همَّ أحد بالإشارة إلى الأمر وجدت هؤلاء المتطوعين كذلك للهجوم- بسبب وبدون سبب- يطلقون صيحات الدفاع عن حرية الرأي، وها هم الإخوان يظهرون على حقيقتهم؛ من كبتٍ للحريات، وعدم قبول للآخر، وعدم قبول للنقد.
وأقول لهؤلاء: يرحمكم الله، لم لا تنشغلون بأمور أكثر أهميةً لبلادنا في الفترة الراهنة والتي نقف فيها جميعًا على منعطف طريق وعر إن لم تتكاتف فيه كل الأيدي، وإن لم تتحد فيه كل العقول، باحثةً عن مخرج لما تمر به البلاد، فالعاقبة فقط لن تطال الإخوان المسلمين أو من انتخبوهم وإنما ستغرق المركب بمن فيها، لماذا إذن لا تقفون موقف الناقد البناء والناصح الأمين لتلك الجماعة التي اختارها الشعب في أول فعالية انتخابات حرة تشهدها مصر على مدى تاريخها بشهادة الأعداء أنفسهم وليس قولا لهذا أو لذاك؟
إنني هنا لا أشكك في وطنية أحد، ولكن الأمر أصبح فوق الخلافات الشخصية؛ فقد قال الشعب كلمته واختار، فلنساعد من اختارهم الشعب ولنتكاتف معهم، يدنا في أيديهم كي نعبر بالوطن المرحلة الصعبة، والصناديق بيننا وبينهم فإن نجحوا في مهامهم الموكولة إليهم فبها ونعمت، وإلا فما هي إلا خمس سنوات ونعيد الكرَّة، ولن ينجح إلا من يقدم خدمة مخلصة لبلاده، ولكن كل هذا بشرط ألا نضع العراقيل تحت أقدامهم قبل أن يبدءوا العمل، ولا نعجزهم ونطلب منهم المستحيل، ونتطاول باسم حرية الرأي أو حرية النقد، إن النقد البناء هو الذي يقف للحاكم يحاسبه حين يخطئ، لا أن يتطاول عليه بحجة حرية الرأي، لقد وقف من المسلمين لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين مَنْ يحذره ويقول له: لو أخطأ عمر لقومنا بالسيف هكذا، فيحمد عمر الله أن جعل في أمته من يقومه بالسيف حين يعوج أمره، ونجد من يقف له ويسأله وهو علي المنبر: انتظر يا عمر فلا سمع لك ولا طاعة، كيف إنك رجل طويل وثوبك كذلك طويل؟ أي إنك أخذت قماشًا أكثر منَّا، فكيف يحق لك ذلك؟ فينادي عمر على عبد الله ابنه ويقول له عمر: يا عبد الله، كيف طال ثوبي؟ فيقول عبد الله بن عمر الرجل العالم الزاهد: لقد أخذت ثوبي يا أمير المؤمنين لتطيل به ثوبك، فيقف الصحابي ويقول: الآن نسمع لك ونطيع يا عمر، هكذا يكون النقد الذي يبني ولا يهدم، وهكذا تكون المحاسبة للحاكم دون إهانة أو تجريح، وهكذا يكون الشعب الواعي الذي يريد النهوض ببلاده ولا يصنع بيده فراعين جددًا، هكذا يجب أن تكونوا يرحمكم الله ما دمتم محبين لبلادكم.