كنا عام 1980م عندما دخل فضيلة الدكتور عبد الرحمن بيصار مكتبه بمشيخة الأزهر مجهدًا بعد عودته من المطار ودخل عليه مدير مكتبه الشيخ الشاب توفيق عبد العزيز؛ ليعرض عليه بعض الأوراق فوجد علامات الامتعاض والضيق على وجه الإمام الأكبر، وقبل أن يستفسر منه عما يضايقه انبرى الشيخ قائلاً: "أنا مش عارف السادات مصرّ ليه يوقفني طابور الذنب هذا بالمطار ولعدة ساعات في استقبال هذا الشخص السمج مناحم بيجن".. وكان هذا البيجن رئيسًا لوزراء الكيان الصهيوني وهو الذي وقَّع معاهدة السلام مع السادات وكارتر في هذه السنة.. وطبعا كان مولانا شيخ الأزهر لا يستطيع مخالفة الرئيس.
فقد كان الرئيس هو الوحيد الذي له حق اختيار شيخ الأزهر بعد إلغاء هيئة كبار العلماء عام 1961م، والتي كانت هي التي تنتخب الشيخ لهذا المنصب الجليل، فكان للشيخ حصانته واستقلاله عن سلطة الدولة، وكان يستمد هيبته ومكانته من قدراته العلمية وتقواه وورعه وبما يزكيه فيه أقرانه من العلماء.
ويوم الخميس الماضي خرج شيخ الأزهر الطيب من مكتبه غاضبًا ورفض مقابلة وزير خارجية إيطاليا (جوليو تيريزي) لمجرد أن الرجل قد تأخر عن موعده بضع دقائق ولم يتصل بالمشيخة ليعتذر أو ليشرح سبب التأخير.
ولما وصل السفير وعلم بالأمر سارع لبيت الشيخ الكبير معتذرًا، وقد أكد أن الموضوع كان خارجًا عن إرادته لظروف تأخر طائرته، ثم الازدحام المروري الذي عوَّق حضوره في موعده.
ولقد قرأت تعليقًا لأحد القراء بصحيفة الأهرام يقول: هل كان يستطيع شيخ الأزهر أن يتخذ هذا الموقف في عهد حسني مبارك؟.
المسألة ليست ضعفًا من الشيخ عبد الرحمن بيصار، ولا فرط شجاعة وإقدام من الشيخ الطيب، المسألة أن الإنسان ابن بيئته وكثير منا يتخذ القرار ويتبنى الموقف حسبما يكون الواقع من حوله.
ولقد قرأت تحليلاً عبقريًّا للأديب العملاق عباس محمود العقاد وهو يتحدث عن مناقب عمر بن الخطاب وعظمته التاريخية والتي لا يماري فيها أحد، ثم طرح سؤالاً افتراضيًّا عجيبًا: ماذا كان سيكتب التاريخ عن عمر بن الخطاب لو أن رسالة الإسلام قد تأخرت عن موعدها مائة سنة مثلاً وفات عمر بن الخطاب اللحاق بها؟ أقصى ما يصل إليه الرجل حينئذ من مكانة أن يتحدث البعض أنه كانت هناك قبيلة اسمها قريش كان فيها بعض الحكماء منهم واحد اسمه عمر.. هذا لو سجل التاريخ أصلاً اسم عمر بن الخطاب فقد كان سيزْوى في أضابير التاريخ المنسية.
خلاصة ما أريد الوصول إليه أن الأزهر ومكانته وشيخه وقامته لن يحددها موقف هنا أو هناك؛ بل واقع ستصنعه الثورة المباركة حين تحرر الأزهر من إساره، وتفك عنه أغلاله، وتعيده حرًّا طليقا كما كان بالأمس؛ لأنه يأتي على رأس القوة الناعمة لمصر في عالمنا العربي والإسلامي كله.