مدخل تأسيسي:
بقلم: د. خالد فهمي
* كان عجيبًا بالنسبة لي من أكثر من جانب أن تواجهني حقيقة قلة الدراسات التأسيسية التي تعالج مشكل تكوين الضمير عمومًا، ومشكل تكوين الضمير المسلم خصوصًا في الدرس الفلسفي والنفسي والاجتماعي المعاصر.
* أقول هذا على الرغم من وفرة الأدبيات أو الكتابات التي تشرح المنظومة الأخلاقية التي أرساها النظر الإسلامي من خلال مدونات نصوصه الأساسية المتمثلة في الذكر الحكيم والسنة المشرفة.
* صحيح أن هذه الكتابات الأخلاقية الممتدة يمكن أن تمثل مصدرًا مهمًّا وثريًّا معًا لدراسات تكوين الضمير المسلم لكنها في النهاية تتماس مع الموضوع ولا تترادف معه.
* بدا هذا الأمر غريبًا لأول وهلة، وإن كان الشعور بهذا الاستغراب بدا يخفت أمره مع تنامي الإحساس الطاغي الذي تملكني بوفرة العناية الإسلامية بمكونات الضمير على أكثر من بعد وأكثر من مستوي.
ما الضمير؟!
* ويأتي التساؤل عن الضمير بما هو مفتتح لازم هنا أمرًا منطقيًّا جدًّا من أكثر من بعد، ولا سيما في مقال يسعى للتأسيس، يقول المعجم العربي الأساسي (لاروس1420هـ=1999م ص 776 "ض م ر" في تعريفه إنه: "تكوين نفسي تتكامل فيه القيم، ويكون أساسًا لقبول أو رفض ما يعمله الفرد، أو ما ينوي القيام به"، وهذا التعريف الواضح في لغته ورث ظهورًا قديمًا في المعجمية العربية تكاد تجمع على تعريفه بأنه: السر والخاطر الداخلي، وما ينطوي عليه القلب من موجهات حاكمة على اختيار عمل من غيره.
* هذه الأهمية التي توليها اللغة للفظ الضمير، وما يظهر من ورائها من التركيز على مفهوم البناء النفسي المتكامل الموجه للإنسان– تظهر واضحة في التعريف الاصطلاحي للضمير بما هو مصطلح فلسفي؛ يقول المعجم الفلسفي (مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1403هـ=1983م ص110): إنه من وجهة النظر الأخلاقية: "خاصة يصدر بها الإنسان أحكامًا مباشرة على القيم الأخلاقية لأعمال معينة، فإن تعلق بما وقع صاحبه ارتياح أو تأنيب لمن تعلق بما سيقع كان آمرًا أو ناهيًا، وقد عنى به الحدسيون وعدُّوه قوة فطرية تدرك الخير والشر حدسيًّا من غير خبرة سابقة، وأنكر الطبيعيون ذلك ورجعوا به إلى التجربة".
* وبغض النظر جزئيا عن الاختلاف بين أنصار نظرية الفطرة ونظرية التجربة فإن الضمير في اللغة والاصطلاح هو تكوين نفسي حاكم وموجه للعقل الإنساني.
الإسلام هو موجز للعناية ببناء الضمير!:
* والذين يتأملون النسق التشريعي الإسلامي من خلال متابعة مدوناته النصوصية المركزية المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة يقفون على ملمح دال جدًّا يغذي فكرة العناية المؤكدة بهذا التكوين النفسي الذي يسمى بالضمير؛ فجعل فكرة اطمئنان القلب بالقضية هي الأساس الفاعل في تقييمها والحكم عليها، وإن بدا من عمل الجوارح ما يناقض هذا الذي سكن في القلب، واستقر به، وفي هذا السياق يصح تأمل قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)) (النحل) ذلك أن الآية الكريمة حددت مناط الإيمان وعدم الكفر بما انطوى عليه السر الداخلي الذي هو الضمير، وهو ما دفع العلماء إلى القول إنه– على ما جاء في تفسير القرطبي (10/181)-: "لما سمح الله عز وجل بالكفر وهو أصل الشريعة- عند الإكراه- ولم يؤاخذ به حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم".
* هذا الحكم الجامع يظهر من ورائه القيمة البالغة للتكوين النفسي الذي اسمه الضمير، وهو ما سوف يفسر لنا العناية البالغة على أكثر من مستوى ببناء هذا الضمير في التصور الإسلامي.
ومن جانب آخر فإن السنة النبوية في الحديث المحوري المروي عن عمر بن الخطاب، وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" يؤكد ما ذهبنا إليه، ويوضحه ويبينه، ويفصل عمومه؛ لدرجة وصل فيها الأمر إلى أن يكون عمل الضمير، وما استقر في النفس والقلب، وما انعقد عليه السر والخاطر الداخلي الذي يسمى بالنية، الأساس الأول في صحة إتيان تكاليف الشريعة جميعًا فيما يعرف فقهيًّا بأركان العمل، فيأتي عمل الضمير.
* والنية الركن الأول في كل أعمال الإسلام التي أمر بها الله سبحانه وتعالى.
* والذين شرحوا الحديث المتفق عليه هنا يشيرون إلى الحصر الجامع لاشتراط النية في الأعمال جميعًا بدليل إنما، ويشيرون كذلك بوضوح إلى أنه "لا عمل إلا بالنية" ويلحون بأنه لو جاء العمل وظهر للوجود من غير توجه نفسي وقلبي واتفقا ضمير حكم بنفي الصحة عنه! على ما يقول الشبرخيتي في كتابه (الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية) ص 69، وهو أوسع شروحها.
* من هذين النصين، وما يظاهرهما من نصوص أخرى يتضح لنا مدى العناية بفكرة تكوين الضمير في التصور الإسلامي.
مكونات الضمير في التصور الإسلامي:
* وإذا كانت هذه العناية التي بدت بعض ملامحها في الفقرة السابقة بهذا الشكل لمفهوم النية، وما تنعقد عليه النفس والقلب والضمير–فإنه يبدو طبيعيًّا ومنطقيًّا أن يكون المكونات المؤسسة لبناء الضمير في التصور الإسلامي واضحة جلية بامتياز.
* ومن المهم في البداية أن نقرر أنه إذا كان التصور الإسلامي للإنسان قائمًا على التوازن الذي يرعى حقيقة تكوينه المادي (من البدن) والنفسي (من الروح) من غير طغيان لعنصر على آخر لدرجة تهميشه فإنه يبدو طبيعيًّا ومنطقيًّا أن تكون مكونات الضمير المسلم موصوفة بالشمول المنطلق من خصيصة التوازن هذه.
* وفيما يلي محاولة لبيان هذه المكونات المؤسسة لبناء الضمير في التصور الإسلامي:
أولاً: المكون البيولوجي
* ثمة عناية لا تخفى على أحد بواحد من أسس بناء الأسرة المسلمة متوجه إلى الإلحاح على اختيار الزوجين بعضهما لبعض، وعلى دور أرحام النساء، وألبانهن من جانب، وماء الرجال من جانب آخر في الأسس الإسلامية الحاكمة لبناء الأسرة.
* إن كثيرًا من النصوص في هذا المجال تدعم فكرة العناية بالجانب البيولوجي (أو الأحيائي) في عملية تكوين الضمير، ولكنه عامل مع التسليم بأهميته وخطره وتضافر الأدلة على قيمته، وقيمة رعايته يظل غير قادر وحده على الانفراد بتحمل العبء وحده في مسألة تكوين الضمير، بل هو في الحقيقة عنصر ضئيل الفاعلية.
* تاريخ البشرية شاهد على الدور الإيجابي الفاعل للمحدد البيولوجي في تكوين الضمير المسلم خلال التاريخ الممتد فيما تلحظه من أسر بكاملها ترعى قيمة النظر إلى هذا المحدد مضمومًا إلى غيره من المكونات والأسس.
ثانيًا: المكون التربوي والثقافي
* إن ما يشهده التاريخ من تأثيرات غير خافية لأثر التربية والثقافة والتعليم في الانتقال بالأفراد والأمم تدعم فكرة الدور الإيجابي لمحدد التربية بمعناه الواسع في تكوين الضمير المسلم، وترفع مستواه القيمي.
* إن تأمل عدد من النصوص النبوية يلمح أثرًا لهذا المحدد في التصور الإسلامي على ما يظهر من الأثر الكريم الذي يخبر فيه النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان يولد على الفطرة، ثم ينسب النبي الأكرم أثر للفعل التربوي والثقافي في تغيير خريطة الفطرة هذه عندما يقول صلى الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجِّسانه"، وهو ما قد يعني من دون شطط أو افتئات في شرح الحديث الشريف، أن الإنسان بيولوجيًّا يولد وفي نظامه الفطري استعداد للاستقامة، ومزود بجهاز مبدئي (هو ضمير صغير) قادر على التوجيه لاختيار الأعمال من منظور قيمي رشيد، ويترك للتدخل التربوي والثقافي وأنساق التعليم ونظم المعرفة والسلوك ومجمل النشاط البيئي المحيط، أن يثمر تنمية هذه الفطرة وهذا الاستعداد، أو الانحراف بها وتشويهها.
* وفي هذا المحدد يظهر لنا من خلال مجموعة كبيرة من تكاليف الشريعة وتعاليمها الأثر البالغ الذي تعول عليه في تكوين الضمير المسلم، وبنائه البناء المستقيم، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال ما يلي:
1- التركيز على أهمية العمل القلبي والنية في الحكم على الأعمال الشرعية.
2- إلحاح السنة الشريفة على استقامة السلوك الأبوي أمام الأولاد، توريثًا لمحددات استقامة الأطفال.
3- الإلحاح الظاهر على فكرة تنمية المراقبة التي هي مركز فعال في التصور الاعتقادي الإسلامي لله سبحانه بما هو رقيب، لا يغفل ولا ينام، وبما تمثله المراقبة من قمة ما يمكن أن يصل إليه الفعل العبادي الصادر من مسلم، وهو ما يسمى بمرتبة الإحسان على ما ورد في حديث: "هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم" في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان وإجابته بأنه أن تعبد الله كأنك تراه.
4- اعتماد الغيب ركنًا محوريًّا في التصور الاعتقادي للمسلم.
5- اعتماد نظرية الثواب والعقاب في الشريعة الإسلامية على رعاية الضمير، وما يستكن فيه، وما يعمر به؛ بحيث نلحظ ترتب الثواب على مجرد الهم بالفعل من دون الفعل نفسه.
6- اعتماد النظرية الأخلاقية الإسلامية كذلك على رعاية الضمير وما يسكن فيه، من مثل اعتبار الكرم هو القدرة النفسية على الجود والسخاء وإن لم يصدر عنها عطاء، واعتبار البخل قدرة نفسية وإن صدر معها عطاء وإخراج.
* فهذه المنظومة من المبادئ داعمة للمحدد التربوي والثقافي بمعناه الواسع في التصور الإسلامي للعناصر أو العوامل الفاعلة في بناء الضمير المسلم وتكوينه.
ثالثًا: المكون الاجتماعي:
* وليس ثمة شك في قيمة المكون الاجتماعي في بناء الضمير وتكوينه، ذلك أنه من القوانين الشائعة السيارة النظر إلى المجتمع على أنه قوة فاعلة، فالخير يعدي، مثلما أن الشر يعدي؛ فثمة أثر ظاهر لا يحفز للجماعات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية على اختلاف أنماطها وتنوع أشكالها.
* فالأسرة المنضبطة المثقفة الملتفتة لاستقامة الضمير، والمدرسة المنتظمة التي تشجع على حفظ الأمانات وتقدر أصحاب الضمائر الحية، وتشجع على عملية ارتياح الضمير بما يشيع في أجوائها من الأعمال المنتجة لراحة الضمير، والإعلام الذي يبث هذه المعاني ويقدرها.
كل هذه المناطق الاجتماعية فاعلة في دفع عمليات تكوين الضمير المسلم، والإسهام في بناء صلابته.
* إن الحفاوة المعاصرة اجتماعيًّا وإعلاميًّا وقانونيًّا بملامح يقظة الضمير لها فعل ساحر على طريق تكوين الضمير الفردي والجماعي؛ وهو بعض ما نلحظه من مكافأة من يرد شيئًا مفقودًا، أو في تقدير مقاوم للتزوير، أو في شاهد بالحق مع توفر مغريات الكتمان، أو في أستاذ يرعى كرامة أستاذيته، إلى غير ذلك مما يدل دلالة واضحة على ضمير مستقيم مسكون بمنظومة راقية من القيم تحكم توجيه أفعاله وسلوكه.
الضمير المسلم المعاصر:
* قراءة في بعض الأدبيات
* لا يخالجني شك في أن ثمة آثار غير حميدة أصابت الضمير المسلم المعاصر في بعض مناطق تكوينه، ربما بسبب غياب بعض محددات التكوين السابقة، وربما بسبب عملية قهر استمرت فترة طويلة من الزمان استهدفت تشويهه بفعل الغزوة الغربية على ديارنا وما خلفته من أنظمة تربوية وثقافية وتعليمية، وربما بفعل اجتماع الأمرين معًا.
* ويصبح من الضروري الوقوف عند هذه الملامح بهدف إنارة الطريق في قراءة ما يتطلبه تكوين ضمير المسلم المعاصر من بوابة مواجهة المخاطر التي تبغي النيل منه.
* وفي الثقافة العربية المعاصرة يقف عملا كل من الدكتور سيد عويس رحمه الله (لا للعنف: دراسة في تكوين الضمير الإنساني) والدكتور أحمد عكاشة (ثقوب في الضمير) ليرصدا عددًا من أوجه الخلل الذي مسيرة تكوينه الضمير المسلم المعاصر.
* وبقراءة هذين العملين المهمين في هذا السياق تلحظ أن ما وقف أمامه مثلاًً د. أحمد عكاشة من ملاحظة الاتكالية والتمركز حول الذات، وعدم الاهتمام بالآخرين أو بالشأن العام، والعناية بمظهر الدين وطقوسه مع إهمال لجوهر التدين وحقيقته– التي يقرر أنها أصابت الشخصية المصرية بنسبة ظاهرة، مما يعد في نظري نتيجة لهشاشة تكوين الضمير المسلم المعاصر، أقول إن كل ذلك راجع إلى مجموعة من العوامل يمكن إجمالها في نظري تكملة لعمل الكتاب في النقاط التالية:
* الأثر الجبار للغزو الغربي الذي استمر قرابة قرنين من الزمان، وما تزال بعض آثاره قائمة إلى اليوم.
* الأثر السلبي الذي خلقته بعض الأنظمة التي جاءت بعد ثورة يوليو 1952 م، وما ظهر من حب بعض الزعامات للسلطة، وتغذية روح السطحية دينيًّا وثقافيًّا، ومقاومة روح العمق الثقافي وتهميش الجوهر الديني والاضطراب الذي أصاب الأنظمة التعليمية والتربوية خلال فترة ممتدة من الزمن.
* ومن جانب آخر، يتوقف الدكتور سيد عويس أمام عدد من المحددات التي تسهم في بناء الضمير الحي وتكوينه، ويلحّ على أن غياب محدد التعليم والمعرفة الدينية الإسلامية الأصيلة أحد أهم العناصر الفاعلة في هذا التكوين، وهو ما بدا واضحًا مثلاً في مناقشة قضية الانتحار، وهو ما يوجه الأنظار نحو قيمة المعرفة الدينية الأصيلة، والتربية عليها، وتعميق أصول الاعتقاد، والمعرفة بالله في النفس الإنسانية وإسهامها جميعًا في تكوين الضمير الإنساني.
* ومن الحق أن نقرر أن قضية تكوين الضمير وإن تكن قضية معقدة ومركبة تتطلب تضافر جهود الكثيرين، فإنها قضية محورية تمثل جوهر الوجود الإنساني على الأرض، ومن ثم فإن العناية بها تمثل ضرورة حياة!.
----------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.