تعد السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك (2000/2011م)، هي الأسوأ بالنسبة للإخوان، والأكثر تجاوزًا من جانب النظام البائد، ففي تلك السنوات وحدها تمَّ اعتقال ما يزيد على 30 ألف عضو من الجماعة، وتمَّ اقتحام آلاف الشركات الخاصة، وسرقة ما فيها، واستخدم قانون الطوارئ والحبس الاحتياطي للتنكيل بالمعتقلين، ولم يراع النظام في تلك السنوات القوانين أو الأعراف أو القيم، بل كان- فيما يخص الإخوان- كالعربة الطائشة، يدمر ما يصادفه أو يعترض طريقه.

 

ويؤكد الخبراء والسياسيون أن ما جرى في تلك السنوات من تصعيد ضد الجماعة، خصوصًا في السنوات الأربع الأخيرة، يأتي في سياق محاولات النظام لإسكات صوت الإخوان وقمع حراك الجماعة؛ تمهيدًا لتكريس عملية التوريث، التي عارضها الإخوان واعتبروها استخفافًا بالشعب، والتشكيك في أنه لم يبلغ بعدُ درجة الرشد.. ففي 28 من أبريل 2005م أصدر الإخوان بيانًا جاء فيه: ".. حادي عشر: يجب أن يقوم النظام- لصالح الوطن والشعب- بتغيير المادة 76 من الدستور تغييرًا حقيقيًّا، يتسق وسمعة وكرامة مصر، وأن يبدأ في حلِّ مشكلات الشعب كالبطالة والإسكان.."، وفي 14 من يونيه 2005م أعلن نواب الإخوان في مجلس الشعب عدم موافقتهم على قانون انتخابات الرئاسة الذي تمت مناقشته تحت القبة في اليوم نفسه.

 

- أرقام فلكية:

والأرقام والحوادث التالية تؤكد ما أشرنا إليه من تصعيد النظام ضد الجماعة بطريقة هيستيرية في السنوات الأربع الأخيرة:

 

- في عام 2007م وحده، تمَّ اعتقال 3245 عضوًا من الجماعة، منهم: 2204 محبوسون احتياطيًّا، 613 معتقلاً، 428 محتجزًا، وقد انتهى العام وقد تبقى منهم داخل السجون 207 أعضاء، منهم: 33 يحاكمون عسكريًّا، و90 معتقلاً، 84 محبوسًا، ووجهت للإخوان في هذا العام 103 قضايا، تمت إحالتها إلى نيابة أمن الدولة العليا، وهي: 3 قضايا لقادة بالجماعة، و3 لنواب ومرشحين سابقين في انتخابات مجلس الشعب، و4 لطلاب الجامعات، و93 قضية للكوادر التنظيمية من شرائح اجتماعية مختلفة، تتضمن رجال أعمال ومهنيين وطلابًا.. إلخ.

 

- وفي 5 من فبراير 2007م صدر قرار رئيس الجمهورية بإحالة خيرت الشاطر نائب المرشد و40 آخرين من قيادات وأعضاء الجماعة إلى القضاء العسكري، بعد حملة اعتقالات واسعة شنَّتها قوات مباحث أمن الدولة على خلفية العرض الرياضي الشهير الذي أقامه طلاب الإخوان في جامعة الأزهر، فيما عُرف بـ(ميليشيات الأزهر)، وذلك في 14 من ديسمبر 2006م.

 

- وفي 9 من يونيه 2007م تمَّ اعتقال ثلاث أخوات أثناء قيامهن بالدعاية الانتخابية لأحد مرشحي الإخوان بمجلس الشورى بطنطا، وكانت المعتقلات: هويدا أبو الفضل، د. فاطمة قطب، د. داليا قطب يقمن بالدعاية لمرشح الجماعة الدسوقي كليب عندما ساقهن أحد الضباط إلى قسم أول طنطا؛ حيث تمَّ حبسهن مع المجرمين وتجار المخدرات حتى تمَّ عرضهن على النيابة في اليوم التالي، ثم الخروج بكفالة 500 جنيه لكلٍّ منهن، بعد أن وصل الاحتقان إلى أقصى حد عند أهالي طنطا.. ولولا تدخل نواب الإخوان لحَدَثَ ما لا يحمد عقباه.

 

- وفي 19 من يونيه من العام نفسه وقعت انتهاكات واسعة من جانب سلطات الأمن وأعضاء الحزب الحاكم وبلطجيته؛ لإسقاط مرشحي الإخوان في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، وكانت الجماعة قد تقدمت بـ19 مرشحًا أسقطتهم الحكومة جميعًا، وسط جو من الرعب من جانب قوات الأمن التي أغلقت اللجان، ومنعت المواطنين من الوصول إلى صناديق الاقتراع، واعتدت بالضرب على الناخبين والمرشحين، وهددت رؤساء اللجان، واستعانت بالبلطجية لافتعال المشاجرات وتسويد البطاقات والتزوير لصالح مرشحي الحزب الحاكم، وقد سبق كل ذلك جرائم أخرى بمنع كل صور الدعاية الانتخابية، واعتقال ما يزيد على 850 عضوًا من الجماعة وتعذيب العديد منهم، وإرهاب أولادهم وزوجاتهم.

 

- وقد اعتذر الإخوان في هذا العام عن عدم إقامة حفل الإفطار الرمضاني السنوي، الذي اعتادت الجماعة تنظيمه كل عام ودعوة رموز الوطن ومفكريه وقادته إليه، ويأتي هذا الاعتذار بسبب قرار وزير الداخلية بمنع الإفطار؛ ضمن حملة الضغوط التي مُورست على الإخوان هذا العام.

 

- اعتقال 7555 إخوانيًا في عام واحد:

وقد شهد عام 2008م تصعيدًا متزايدًا من النظام ضد الجماعة؛ حيث تمَّ اعتقال 7555 من قيادات وأعضاء الجماعة على مدار العام، منهم 2537 تمَّ حبسهم بقرارات من النيابة العامة دون أن يحال شخص منهم إلى القضاء للمحاكمة، وبعد ذلك تمَّ إصدار قرارات من النيابة بإخلاء سبيلهم إلا أن هذه القرارات لم تنفذ إلا في حقِّ 1803، في حين أصدرت وزارة الداخلية قرارات باعتقال 734 منهم، وأشار تقرير لمركز سواسية في هذا الإطار إلى أن 462 ممن تمَّ اعتقالهم تمَّ صدور قرارات بهذا الاعتقال بعد القبض عليهم مباشرة، دون أن يتم التحقيق معهم من قِبل النيابة؛ ليبلغ عدد من صدر قرار باعتقاله طبقًا لقانون الطوارئ 1096 عضوًا، وأضاف التقرير أن باقي من تمَّ اعتقالهم تم احتجازهم دون أن يصدر قرار بحبسهم من النيابة أو قرار باعتقالهم.

 

وفي هذا العام (7 من أبريل 2008م) قرر الإخوان مقاطعة انتخابات المحليات، ودعوا الشعب المصري إلى مقاطعتها، بعد ما شابها من عمليات تزوير قبل إجرائها، مؤكدين أن المقاطعة تأتي من باب احترام الشرعية التي عبرت عنها أحكام القضاء التي أهدرتها الإجراءات الحكومية، وأكدت الجماعة- في بيان لها- أن هذه الدعوة جاءت ردًّا طبيعيًّا على اعتقال 831 عضوًا بالجماعة على خلفية الترشح للانتخابات؛ ولرفض المسئولين الحكوميين تنفيذ آلاف الأحكام لصالح الإخوان بوجوب تسجيلهم في قوائم المرشحين.

 

- عام الانتهاكات

أما عام 2009م فهو عام الانتهاكات، وتأميم الشركات، والتعدي على الحريات، وتصفية الحسابات مع الجماعة؛ حيث بلغ عدد المحبوسين احتياطيًّا 1923 عضوًا، وعدد المعتقلين طبقًا لقانون الطوارئ 3102 عضو، بإجمالي 5025 عضوًا، وقد طالت الاعتقالات ثلاثة من أعضاء مكتب الإرشاد، وهم: د. عبد المنعم أبو الفتوح، د. محمود حسين، د. أسامة نصر الدين، إضافة إلى أحد عشر من مسئولي ونواب مسئولي المكاتب الإدارية بالمحافظات، وأكثر من 20% من أعضاء مجلس شورى الجماعة، وفي هذا العام تمَّ التحفظ على 21 شركة، بالإضافة إلى التحفظ على كميات كبيرة من الأموال المضبوطة في منازل المقبوض عليهم بلغت نحو 15 مليون جنيه.

 

ونظرًا لزيادة أعداد المعتقلين من الإخوان هذا العام، تمَّ التحفظ عليهم جميعًا في مختلف سجون الجمهورية، من القاهرة إلى الوادي الجديد، مرورًا بسجن برج العرب، والسجون المركزية بالمحافظات، بالإضافة إلى التحفظ على عدد كبير من أفراد الجماعة بالمعسكرات الخاصة بالأمن المركزي بطره والدراسة.

 

- ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعداه إلى تكبيل حرية الأفراد؛ حيث شهد هذا العام صدور عشرات القرارات بمنع الأفراد من السفر، وكان على رأس هؤلاء الأفراد: د. عصام العريان، د. عبد الحميد الغزالي، د. جمال حشمت، م. علي عبد الفتاح، وغيرهم، على الرغم من حصولهم على أحكام قضائية تبيح لهم السفر.

 

- كما أن الأمر لم يقتصر كذلك على قيادات وأعضاء الجماعة، وإنما تعداه لطلاب الإخوان؛ حيث شهد هذا العام فصل وشطب واعتقال ما يقرب من 1500 طالب، منهم 252 تم فصلهم من الجامعة، 600 تم شطبهم من الانتخابات، 400 تمت إحالتهم للتحقيق بسبب تعبيرهم عن رأيهم، 150 تم اعتقالهم إما لمشاركتهم في الانتخابات الطلابية أو بسبب قيامهم بتعليق لافتة للتعبير عن غضبهم تجاه ما يحدث للمسجد الأقصى من انتهاكات.

 

- الإخوان يشيعون حفيد المخلوع:

ورغم ما جرى للإخوان على يد مبارك هذا العام إلا أن وفدًا منهم شارك يوم 19 من مايو 2009م في تشييع جنازة محمد علاء، حفيد الرئيس، وتقدم هذا الوفد: د. عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، الدكتور محمد سعد الكتاتني عضو مكتب الإرشاد ورئيس الكتلة البرلمانية، م. سعد الحسيني عضو مكتب الإرشاد وعضو الكتلة البرلمانية، كما شارك في واجب العزاء: حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة، د. أحمد دياب الأمين العام للكتلة، د. محمد البلتاجي الأمين المساعد للكتلة.

 

- آخر الأعوام الكبيسة:

وقد تصاعدت الانتهاكات ضد الإخوان في 2010م مقارنة بالأعوام السابقة؛ حيث تمَّ القبض على 6001 من أعضاء وقيادات الجماعة، منهم 2735 محبوسًا احتياطيًّا، 944 معتقلاً، 2321 محتجزًا، على رأسهم خمسة أعضاء في مكتب الإرشاد هم: د. محمود عزت، د. عصام العريان، د. محيي حامد، د. عبد الرحمن البر، د. أسامة نصر الدين، فضلاً عن أعضاء في مجلس شورى الجماعة ومسئولي وأعضاء مكاتب إدارية.

 

وقامت النيابة العامة هذا العام أيضًا بتحريك 578 قضية ضد أعضاء من الجماعة بتهمة مخالفة ضوابط الدعاية الانتخابية، واستخدام شعار (الإسلام هو الحل)، اتهم فيها 956 فردًا، من ناحية أخرى استمر النظام في منع العديد من قيادات وأعضاء الجماعة من السفر للخارج، وعلى رأس هؤلاء: المرشد العام السابق محمد مهدي عاكف، د. عصام العريان. كما شهد هذا العام غلق 106 منشآت اقتصادية مملوكة لأعضاء في الجماعة، كما تمَّ التحفظ على 26 سيارة.

 

وشملت الانتهاكات أيضًا عددًا كبيرًا من الطلاب بلغوا 4433 طالبًا؛ فُصل منهم 451، وشُطب 1422 من الانتخابات الطلابية، وتمَّ التحقيق مع 1665 طالبًا منهم، وحُرم 895 من السكن في المدن الجامعية.

 

- تجاوزات خطيرة

وفي هذا العام- تحديدًا- بلغت تجاوزات الداخلية مداها- على جميع الأصعدة- فعلى سبيل المثال تمَّ استخدام إحدى سيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة؛ للقبض على د. أسامة نصر الدين عضو مكتب الإرشاد وأحد عشر أخًا من إخوان دمنهور، وكذلك وقعت تجاوزات- تبدو منظمة- من جانب ضباط أمن الدولة ضد نساء الإخوان، خصوصًا أثناء عمليات القبض على أعضاء الجماعة من بيوتهم، ففي 27 من مارس 2010م أصدرت الجماعة بيانًا حذرت فيه من تلك التجاوزات التي طالت نساء الإخوان وبناتهم الحرائر؛ حيث تمَّ سبهن وجرح حيائهن بالألفاظ النابية الساقطة، بل الاعتداء عليهن بالأيدي وسرقة حليهن وأموالهن، وقد حدث ذلك في: المحلة الكبرى، الحوامدية، وأماكن أخرى.

 

- وفي هذا العام (1 من يونيه 2010م) نجحت سلطات الأمن في إسقاط 15 مرشحًا للجماعة في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، وقد استخدمت وسائل فجة لاستكمال هذا الهدف، فقد أغلقت اللجان في وجوه الناخبين في العديد من الدوائر، ومنعت منظمات حقوق الإنسان من دخولها، وقامت بطرد واعتقال مندوبي مرشحي الجماعة، وأطلقت الرصاص الحي على من حاولوا الاعتراض على تلك الإجراءات، ولم تخلُ لجنة من اللجان على مستوى الجمهورية من وجود بلطجية يحملون الأسلحة وينفذون تعليمات مسئولي الحزب الحاكم بتسويد بطاقات الانتخابات.

 

- وما إن أعلن الإخوان (يوم 9 من أكتوبر 2010م) عن خوض الانتخابات البرلمانية التي ستُجرى في 28 من نوفمبر، حتى بدأت حملة اعتقالات ومداهمات واسعة ضد أعضاء وقيادات الجماعة، شملت الحملة عمليات اقتحام مروعة لبيوت المعتقلين، وإرهاب من فيها، وسرقة كل ما يقع تحت أيدي المقتحمين من أموال ومتعلقات ثمينة، وشملت الحملة: إغلاق مئات الشركات والمحال، وتلفيق القضايا لأصحابها عن طريق إدارات المباحث الأخرى مثل: المصنفات والتموين والأموال العامة وغيرها، واشتملت أيضًا على: عمليات نقل تعسفي واسعة للموظفين، وإحالة العديد من المدرسين المنتمين للجماعة إلى وظائف إدارية، وقد تمَّ اعتقال أخوات في محافظة السويس، واستدعاء زوجات وشقيقات إخوة في الصعيد؛ ما يؤكد سعي الطرف الآخر إلى استفزاز الإخوان وجرّهم إلى حرب غير متكافئة، وقد بلغ معتقلو الجماعة حتى يوم الانتخاب 1450 عضوًا.

 

- وقد تعرض مرشحو الإخوان ومناصروهم يوم الانتخاب (28 من نوفمبر) لشتى صنوف العنف على أيدي رجال الأمن وبلطجية الحزب الوطني؛ حيث تمَّ اختطاف 186 أخًا من أمام اللجان، فضلاً عما قام به أنصار الحزب الحاكم من تقفيل غالبية الدوائر لصالح مرشحيه، وقيام الشرطة بالاعتداء على أنصار مرشحي الجماعة، ومطاردة مندوبيهم، ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، ومنع الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني من أداء دورهم الرقابي على الانتخابات.

 

- لذا قرر الإخوان مقاطعة انتخابات الإعادة التي كان مقررًا لها يوم الأحد 5 من ديسمبر، على الرغم من نجاح 27 مرشحًا من مرشحيهم في الجولة الأولى؛ اعتراضًا على ما لاقته الجماعة في الجولة الأولى من تزوير وإرهاب وعنف.

 

- آخر مصائب الطاغية:

- وقبل أن يغادر الظالم كرسي حكمه إلى الأبد، أبى إلا أن يورِّط نفسه في مظلمة جديدة ضد الإخوان، سوف ينال عقابها إن لم يكن اليوم فغدًا.. ففي 8 من يناير 2011م قضت محكمة جنايات أمن الدولة (طوارئ) بحبس الدكتور أسامة سليمان 3 سنوات، وتغريمه 5 ملايين و600 ألف يورو، ومصادرة المبالغ المضبوطة (2 مليون و800 ألف يورو) موضوع قضية (التنظيم الدولي)، ومنعه من التصرف في أمواله العقارية والمنقولة والسندات والأسهم، وألزمته بالمصاريف، وحكمت المحكمة غيابيًّا على كلٍّ من: د. أشرف عبد الغفار، الداعية عوض القرني، الداعية وجدي غنيم لمدة خمس سنوات، وعلي إبراهيم منير بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات.. وقد اعتبر الإخوان- وقتها- هذه الأحكام إرهابًا حكوميًّا ليس له من دون الله كاشفة.