أبهرتنا تلك الثورات التي تعاقبت في فترة وجيزة لتغيِّر ملامح المسيرة السياسية على الخارطة العربية، ولعلي هنا أُجمل أن القاسم المشترك الذي حرَّك الثورات هو تلك الديكتاتورية التي تسلَّط بها الرؤساء على رقاب الشعوب التي ثارت على مدار عقود طويلة، وهو تلك الحالة المزرية من عدم احترام إرادة الشعوب، وهو هذا التردي الاقتصادي الذي أفقد الشعب لذَّة الشعور بالاستقرار، وكان السير في اتجاه واحد؛ ألا وهو تكريس السلطة الفردية.. فانتشرت البطالة، وتهاوى الاقتصاد، وازدادت الفجوة بين طبقات المجتمع الواحد، واتسعت الهوَّة بين الشعوب وحكامها، فكانت النتيجة الطبيعية هي الثورات التي أطاحت بتلك العروش في سرعة مذهلة جعلت الكثيرين يفكرون بروح المؤامرة لتغيير الخارطة العربية.

 

وقد تناسى هؤلاء أن بيت الظالم أوهن من بيت العنكبوت، وأن تلك الهالة التي طالما روَّج لها إعلام السلطة هي لإرهاب الشعوب وقمع فكرها وإرادتها؛ حتى لا تنظر أبعد من تحت أقدامها.

 

تحررت الشعوب على مضض، وسعت في طريق الديمقراطية وتداول السلطة لكن بقيت عقول الكثيرين بعيدة عن الثورة وأبجدياتها، وكأن الربيع العربي قد اختصر على جانب الجسد دون العقل، عرَّى الربيع العربي وهو يطيح بالديكتاتوريات عقولَ الكثيرين، وخلَّفَ وراءه طابورًا طويلاً من المشككين الذين يشككون في كل شيء، ويغلبون جانب المؤامرة على كل شيء، ويحاكمون النوايا، ويستبقون الأحداث ويترصدون للعاملين، والأغرب هو تلك الحالة من محاولة الابتلاع للآخر دون مشاركته في نقاشاتنا وفي حواراتنا، وفي تعاملاتنا.

 

ولعل نظرية التخوين هي أحد موروثات العهد البائد الذي تعامل مع الشعب كما كان يتعامل معه عبر عقود، ولعل صورة السرير الذي ينبطح عليه المخلوع مع كل ظهور إعلامي في المحاكمة توحي بتلك الحالة من الانبطاح التي أدمنها النظام عبر ثلاثة عقود أدَّت إلى تلك الحالة من الازدراء للعقول وعدم احترامها، وادعاء الذكاء على الآخر.

 

انبطح الحوار، وانبطح العقل وطرِحَ أرضًا، مع ما للعقل من مكانة ومنزلة ما ذكرت في أي موضع من كتاب الله إلا، وكانت الإشارة فيه إلى التعظيم ووجوب إعماله.

 

وفي السياق نفسه جاء القرآن صفعة للذين يعطلون حواسهم ولا يعملونها، قال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ(18)) (البقرة)، وقال الله تعالى في موضع آخر: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(171)) (البقرة)، (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ(22)) (الأنفال)، فشرُّ ما دبَّ على الأرض أولئك الذين لا يُعملون عقولهم ويصمونها عن سماع الحق، وهم بكم لا ينطقون ولا يعقلون ما ينفعهم.

 

إننا في حاجة إلى أن نتخلص من حالة إغفال العقل وتهميش المخالف، وفي الوقت نفسه أحلم بربيع عربي للعقول، يغير من أبجديات التفكير عندنا، نتقبل الآخر وإن خالف ما نعتقد، ونحترم رأي الآخر ولا نسفهه، ونتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، نحتاج إلى أن نتنازل طائعين وأن نُسلِّم راضين إذا ما تبين خطؤنا وصواب غيرنا.. ساعتها فقط سنقول بملء الفم إنَّ الربيع العربي قد طال عقولنا كما طال كل شيء من حولنا.