بعد ثورات الربيع العربي نحتاج إلى نهضة حقيقية في جميع المجالات والميادين المختلفة؛ لنسترد مكانتنا التي قزَّمتها الأنظمة العربية المستبدة، هذا جانب، ومن جانب آخر إذا كنا في عصر العولمة، والعالم كله أصبح قرية صغيرة، فلا بد أن نجيد آليات التعامل مع الآخرين، فلا بد أن نتعامل مع غيرنا بمنطقهم لا بمنطقنا فقط، منطق القوة والعلم والتكنولوجيا، ومن ثمَّ فإننا لكي نحقق اليوم الاستجابة الصحيحة للأمر الإلهي بالإعداد (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، علينا إذًا أن نقرأ فكر غيرنا، وما عنده من إمكانيات علمية وتكنولوجية غير عادية تحقق له أهدافه، ويشمل الإعداد لمسايرة تحديات العصر في كل ميادين الحياة، ويمكن أن نجمل تلك الميادين في نقاط محددة، وهي:

 

- ميدان العلم.. والمراد الإعداد العلمي والتكنولوجي، وبناء قاعدة علمية صُلبة، من مدارس وجامعات ومراكز بحوث علمية، وقبل كل هذا بناء الشخصية الإنسانية العصرية المتعلمة بناءً صحيحًا؛ لأنها هي المحرك الأساس والأول في العملية التعليمية.

 

- وفي ميدان الاقتصاد.. فنحن نحتاج إلى نهضة اقتصادية شاملة من تجارة، وصناعة، وزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ لأن شعبًا لا يملك رغيف خبزه لن يملك صنع قرار نفسه.

 

- أما في ميدان الاجتماع.. الذي يقوم على العدل بين أفراد المجتمع؛ بحيث يجد كل فرد حقه الطبيعي في حياة كريمة تجعله مواطنًا صالحًا منتجًا.

 

- وفي ميدان السياسة.. فإقامة نظام حكم إسلامي، يقوم على الشورى، ويسمح بتداول السلطة، وعدم احتكارها لفئة معينة كفيل بإفراز شعب يستطيع أن يصنع قراره، كما يستطيع أن يحدث ثورة في شتى مجالات الحياة الأخرى، ما دام هو يشعر بذاته ومكانته.

 

- وفي الميدان العسكري.. يعني الحصول على أحدث الأسلحة وتصنيعها محليًّا، وإقامة قواعد عسكرية تتمكن من حماية بلدنا من اعتداء الآخرين، وحماية أمننا القومي من كل اختلاق خارجي.

 

- أما الميدان المعنوي.. الذي يقوم على تأهيل أفراد الأمة نفسيًّا، وإشعارهم بخطر المواجهة، والدور الملقى على عاتقهم، ومناط تحقيق هذا الإعداد هو: الإعلام، والعلم، والمسجد والكنيسة، فهذه العناصر هي المنوط بها تحقيق ما يسمَّى بالإعداد المعنوي والنفسي.

 

- وأخيرًا المعلومات.. فالجيل القادم يحتاج إلى إعداد معلوماتي متكامل، فالمعلومات الآن ثروة لمن يحصل عليها، ونحن نعيش بحق في عصر المعلومات، وأصبحت المعرفة قوة، والقوة أيضًا معرفة، وصارت المعرفة رأس مال لمن يُحسن استخدامها.

 

نريد إذًا بناءً حضاريًا يُؤَسَّسُ على المنهج العلمي السليم، بهذا الفهم في الإعداد، وبفهم صحيح في استقبال كلام ربنا وكلام نبينا، وبوضعهما موضع التطبيق، والبناء الحضاري ومظاهر التقدم ما هما إلا محصلة تفاعل الأمة والمجتمع مع البيئة بجميع ما فيها من قيم ومبادئ، وسنن وقوى، وموارد مادية وبشرية، ورسوخ البناء الحضاري ما هو إلا تعبير أصيل عن قيم الأمة، وتجسيد حي لكيانها العقدي والنفسي، والفكري والسلوكي.

 

فالأمم تزدهر بقيمها وأخلاقها، وتنحطُّ وتنهار بفسادها وسوء أخلاقها، وقديمًا قال شاعرهم:

وإنما الأمم الأخلاق ما صلحت    فإن همو فسدت أخلاقهم فسدوا

 

وأخذ هذا المعنى أحمد شوقي وبلوره في بيته الشهير فقال:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن همو ذهبت أخلاهم ذهبوا

 

تلك القيم وهذه الكيانات العقدية والنفسية والفكرية والسلوكية قد وضعها القرآن بين أيدينا، وضعها منهجًا متكاملاً لإنشاء حضارة مثلى، ناهيك عن وضعه منهجًا متكاملاً- أيضًا- لأصول التربية الإنسانية، وبتعبير أكثر حداثة إنه وضع بين أيدينا نظرية متكاملة للتربية المُثْلَى والحضارة الإنسانية المُنْتَظَرَة.

 

إن تحققت تلك الثقافة الرشيدة فسوف تحدث التنمية الحقيقية التي يريدها المواطن الذي عانى كثيرًا من فساد أنظمة عديدة على مر العصور.

 

----------

* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية- nassareg2000@gmail.com