ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، الآن يجد الإسلاميون أنفسهم وجهًا لوجه مع المشكلات العويصة التي يعاني منها المجتمع، والتي كانوا يرونها من قبل من موقع المعارضة، وهو موقع يمكِّن صاحبه من رؤية جانب أو بعض الجوانب وليس كلها، الآن أصبح مطلوبًا من الإسلاميين- وفي مقدمتهم حزب الحرية والعدالة- التعامل مع الملفات الشائكة في الاقتصاد والأمن والفن والثقافة.. إلخ.

 

وإذا كان الوسط الفني يشعر بقلق حقيقي عبَّر عنه بطرق مختلفة من صعود الإسلاميين، فإن الوسط الاقتصادي لديه مخاوف أيضًا من التيار الإسلامي الذي رسم له النظام المخلوع صورةً اقتصاديةً شائهةً تظهر هذا التيار بعيدًا عن هموم الناس الحقيقية، وحريصًا على إثارة مشكلات وهمية، وليس لديه حلول عملية لقضايا العصر ومشاكل المجتمع، كما أنه يحمل رؤى سلبية لقطاعات، مثل السياحة والبنوك والبورصة إلخ.

 

الوسط الاقتصادي عملي بطبيعته لا يميل كثيرًا إلى الشعارات، لكنه يبحث عن حلول عملية ممكنة للمشكلات المختلفة، ولذلك لم يضيِّع قادة هذا الوسط الوقت في "الولولة" كما فعل غيرهم، بل استضافوا في جمعياتهم وغرفهم قيادات اقتصادية من "الحرية والعدالة"؛ لمعرفة مواقفها تجاه هذه المخاوف بشكل مباشر، بعيدًا عن "العنعنات" والوشايات، والفبركات، وقد تعددت هذه اللقاءات لتشمل قطاعات مختلفة من الأعمال، سواء السياحية أو الصناعية أو التجارية، وستكتمل بلقاءات مع القطاع المصرفي لاحقًا، وكان آخر هذه اللقاءات لقاء الدكتور محمد مرسي، رئيس الحزب، ومعه نخبة من اللجنة الاقتصادية، مع رجال الأعمال في اتحاد الصناعات المصرية مساء الثلاثاء.

 

لعل التخوف الاقتصادي الأكبر هو على السياحة التي تمثل حوالي 7% من الناتج المحلي ترتفع إلى 11.5% بإضافة المساهمات غير المباشرة والخدمات المصاحبة، كما أنها تدرُّ ما نسبته 19.3% من حصيلة النقد الأجنبي، وتحتضن ما نسبته 12.6% من سوق العمل.

 

وإذا كانت مواقف الإسلاميين من التعامل مع القطاع السياحي ومنتجاته غير متطابقة، بل متباينة أحيانًا، فإن الحوار وحده كفيل بتقريب وجهات النظر، وضبط التوجهات الحاكمة للقطاع؛ بما يحقق المعادلة الصعبة، وهي زيادة الدخل مع الحفاظ على القيم، وهناك تجارب للسياحة المحافظة في ماليزيا وتركيا ودبي يمكن الاهتداء بها، وهي تسمح بوجود البديل النظيف إلى جانب التقليدي، فهناك المنتجعات والشواطئ الخاصة بالأسر المحافظة، كما أن هناك الفنادق عالية التصنيف، والتي تمنع تقديم الخمور، وتخصص حمامات سباحة للسيدات، بعيدًا عن الرجال، جنبًا إلى جنب مع الشواطئ والمنتجعات والفنادق التقليدية، وليس كما كان الوضع في مصر من قبل؛ حيث كان القائمون على الحكم يرفضون وجود هذه المنتجعات السياحية المحافظة، وبالتالي يحرمون قطاعًا واسعًا منها، كما يحرمون الاقتصاد القومي من عوائدها.

 

وللتذكرة فقط.. فحين حاول رجل الأعمال السعودي الشيخ عبد العزيز الإبراهيم، مالك فندق "جراند حياة" القاهرة، منع الخمور من الفندق وقام بسكب الكميات المتوفرة في مياه النيل، في محاولة منه لتقديم الفندق باعتباره فندقًا محافظًا، تصدَّت له وزارة السياحة المصرية وهددته بخفض تصنيفه الفندقي وشوهت سمعته، رغم أن فنادق كبرى في دبي وكل فنادق إمارة الشارقة في الإمارات لا تقدم الخمور وتحتفظ بتصنيفات فندقية عالية من فئة الخمس نجوم إلخ.

 

أما مخاوف البورصة فلا أساس لها؛ إذ لم نسمع تصريحات من القيادات الإسلامية بتحريم التعامل في البورصة، كما لا توجد تحفظات على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، باستثناء ما يخص ضبط السوق ومنع التلاعب به من قبل هذه الاستثمارات.

 

وأما التعاون الدولي فإن القاعدة التي تحكمه هي المصلحة الوطنية العليا والمعاملة بالمثل، ومن المؤكد أن شيوع حالة الاستقرار وتوفر الأمن والنضج الديمقراطي سيشجع الاستثمارات الأجنبية على ضخِّ المزيد إلى السوق المصري؛ الذي يعد أكبر سوق إقليمي يضم أكثر من 80 مليون نسمه في رقعة واحدة، كما أن تعافي الدولة وسلطاتها سيحسِّن أداءها في مجال التعاون الاقتصادي الدولي، وسيحفِّز دولاً كثيرةً على مد مزيد من الجسور مع مصر القوية؛ حفاظًا على مصالحها، ولعل لقاءات بعثة صندوق النقد التي تزور القاهرة حاليًّا مع ممثلي ورموز القوى السياسية، وعلى رأسها القوى الإسلامية، خير دليل على ذلك، فقد كان صندوق النقد من قبل يتعامل مع شخص واحد؛ هو شخص الرئيس أو من ينيبه في تلقِّي إملاءات الصندوق وتعليماته قبل الموافقة على أي قرض، أما الآن فلن يستطيع الصندوق فرض إملاءات تمس السيادة المصرية.

 

تبقى مشكلة القطاع المصرفي قائمة؛ حيث تثور المخاوف من أسلمة القطاع بشكل كامل، أي تحويل كل البنوك إلى بنوك إسلامية، وهو ما لم يقل به أحد ممن تحدثوا في هذا الموضوع حتى الآن، وإن ظل هدفًا على المدى البعيد، لكنَّ المطروح الآن هو إزالة القيود أمام المصرفية الإسلامية، وتشجيع المستثمرين على توجيه استثماراتهم لإنشاء مصارف إسلامية جديدة أو شركات تطبق المعايير الشرعية في أعمالها، وإصدار قانون جديد للبنك المركزي يسمح بوجود النظامين الإسلامي والتقليدي، ووضع قواعد لحماية حقوق المتعاملين، مع ترك حرية الاختيار لهم بين النظامين.

 

بعيدًا عن القضايا الخلافية في مجال السياحة والبنوك ومصانع الخمور، من المؤكد أن الإسلاميين سيكونون الأصلح لبناء اقتصاد وطني قوي، وذلك بحكم امتلاكهم خبرات فنية، وقدرتهم على جذب استثمارات أجنبية، وعلى تشجيع المستثمرين المصريين في الخارج لإعادة جزء من استثماراتهم إلى مصر، ووضع قواعد عادلة للأسواق تراعي الأبعاد الاجتماعية وفي الوقت نفسه تراعي الأبعاد التنافسية وتطوير المنتجات المصرية؛ بهدف غزو الأسواق العالمية.