(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)) (الأنبياء).
إن داود وسليمان عليهما السلام آتاهما الله تعالى النبوة والحكم على بني إسرائيل، وكانا يقيمان في مملكتهما العدل، وينشران الحق، ويقضيان بين الناس فيما شجر بينهم استجابة لأمره تعالى القائل: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)) (ص).
ولم يكن الحكم بين الناس بالعدل مهمة هذين النبيين الكريمين وحدهما؛ بل كانت رسالة الأنبياء جميعًا، قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: من الآية 25).
ولم تكن مهمة الرسل الكرام تطهير الروح وتهذيب النفس والارتقاء بها في سلم الكمال الإنساني دون أن يكون لهم دور في إصلاح دنياهم وتنظيم حياتهم، بما يضمن لهم حياة كريمة تصان فيه الأنفس والأعراض والأموال.
لا يتصور أن تكون الغاية التي من أجلها جاءت الرسل إصلاح ما فسد بين العبد وربه ثم يترك له أن يدير حياته حسب ما يمليه عليه عقله وهواه، فيحمل في ذاته شخصين متناقضين، عابد خاشع في محراب الصلاة ثم هو لاهٍ ماجن في محراب الحياة، تشده روحه إلى أشواق العبادة وأجواء الطاعة وأفراح السعادة، وفي الوقت نفسه يجذبه جسده إلى حَمْأة الرذيلة، يفعل ذلك ولا يرى بأسًا.
إن شرائع الله تعالى إنما جاءت لتحكم على قلب الإنسان وقالبه، وتقيم له في كلِّ أمر نظامًا وقانونًا.
والآية التي معنا تشير إلى أن داود عليه السلام كما أنه يقرأ الزبور، وتتجاوب معه الجبال والطيور، ويسبح ربه بالعشي وفي البكور، هو كذلك يصنع الدروع ويجهز الجيوش، هو نفسه يجلس للقضاء ويفصل بين الخصوم وينصف المظلوم ويقيم العدل؛ فقد جاء لداود- عليه السلام- رجل اشتكى أن أغنام جاره خرجت ليلاً فدخلت إلى بستان عنبه فأفسدته وأكلت ما فيه، فقضى داود عليه السلام بالغنم لصاحب الزرع؛ لأن ثمن الغنم كان يساوي قيمة ما تلف من الزرع، ولما علم سليمان بما حكم وكان شابا يافعًا يتدفق علمًا وحكمة قال: غير هذا يا نبي الله؟
قال: وما ذلك؟
قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها.
وكلا الحكمين صواب؛ فحكم داود كان قائمًا على أن الضرر والفساد الذي لحق الزرع يجب أن يدفع قيمته صاحب الغنم، وهذا هو العدل، وقد قضت السنة بذلك، وهو مذهب مالك والشافعي: أن أرباب المواشي يضمنون ما أفسدته بالليل دون النهار.
أما حكم سليمان فكان مستندًا إلى إعطاء الحق لذويه مع الرفق بأصحاب الغنم فهم سيصلحون ما فسد ويأخذ أصحاب الزرع الأغنام فيشربون ألبانها ويأخذون صوفها ويأكلون أولادها، فإذا صلح الزرع عادت الأغنام، فهو حكم قائم على الفضل والتراضي.
وقد وقعت حادثة شبيهة بهذه ذكرها البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك؛ فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى".
وهذه الواقعة الصحيحة وما جاء في القرآن يؤكدان أن الأنبياء يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، ووقوع حكمين في قضية واحدة وفي وقت واحد دليل على أنهما لم يكونا عن وحي من الله تعالى، وإنما هو عن اجتهاد، وهذا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الذي روته أم سلمة رضي الله عنها: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحقِّ أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" (متفق عليه).
فالنبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الخصمان حجتهما ويجتهد في الحكم بينهما، وهو لا يدرك حقيقة ما وقع بينهما فقد يسوق أحدهما حجته ويأتي ببينته وينمق في كلامه ويحسن عرضه فيحكم له، وهو لا يستحقه؛ لأنه ليس له إلا الظاهر، ولا يعلم الغيب، وليس لديه وحي صريح يخبره ببواطن الأمور ويجلي له الحقائق كما هي.
واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم يطرأ عليه ما يطرأ على أي اجتهاد بشري من مخالفة الصواب والخطأ في الحكم، وهذا ليس معصية ولا يقدح في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما هو من الخطأ الذي يستحق صاحبه عليه أجر الاجتهاد، وثواب التفكير، والبحث والموازنة والاستنتاج.
والحكمة في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الإمامة الكبرى والأسوة العظمى فهو يجتهد ليقلده الخلق في الاجتهاد، ويخطئ في بعض الأمور؛ لئلا يصرفهم خوف الخطأ عن الاجتهاد ما دام أفضل الخلق قد أخطأ ومع خطئه ما زال يجتهد طوال حياته في كل ما لم ينزل عليه فيه وحي، حتى يتقرر في الناس مبدأ الانتفاع بمواهب العقول، ويتحرر الفكر البشري من رق الجمود والركود.
وشاءت إرادة الله تعالى أنه لا يقر نبيه على خطأ في الأمور الاجتهادية ويصوب له رأيه، والنبي صلى الله عليه وسلم يظهر خضوعه للحق، ويعلن على الملأ أمر الله تعالى دون أن ينقص منه شيئًا، وهنا سر العظمة؛ حيث يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نتخلى عن أحكامنا ولا نتعصب لآرائنا إذا قامت الحجة على بطلانها ووهن دليلها، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)) (الأحزاب).
وإذا كان الحاكم في الإسلام بشر يصيب ويخطئ فإن فقهاءنا اتفقوا على أنه يمتنع على الحاكم أن يقضي في ما يعرض عليه بعلمه، وأن يصبح شاهدًا وحاكمًا في نفس الوقت؛ لأن ذلك قد يجرُّه إلى أن يتواطأ مع من يحبه ويعاقب من يبغضه، وقد رُوي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر رضي الله عنه أنه قال: "لو رأيت رجلاً على حدٍّ من حدود الله ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري"، وروي أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت له: "احكم لي على فلان بكذا، فإنك تعلم ما لي عنده، فقال لها: "إن أردت أن أشهد لك فنعم، وأما الحكم فلا".
وأخيرًا نقول:
أولاً: إذا كان الأنبياء يتولون الحكم بين الناس وإدارة شئونهم وسياسة أمورهم فإن رسالتهم جاءت لإصلاح الدين وتهذيب الدنيا، ومحال في حقهم أن يقصروا رسالتهم على إصلاح قلب الإنسان وروحه، وتنقطع صلتهم بما يطرأ عليه من أخلاق ومعاملة وحكم وسياسة.
ثانيًا: أن الأنبياء عليهم السلام لا يخطئون فيما فيه من الله تعالى وحي، فهم معصومون من الزلل منزهون عن الخطأ، كما أنهم يجتهدون فيما خفي عليهم حكمه وغاب صوابه، وقد يؤدي بهم اجتهادهم إلى مخالفة الأولى أو الخطأ في الحكم.
وبهذا الاجتهاد الذي أثبتناه للأنبياء يتضح كذب وخطأ وشطط من يقول: إن الدولة في الإسلام هي دولة تحكم بالحق الإلهي، وأن ساستها وعلماءها معصومون ولا يجرؤ أحد على تخطيئهم ورد حكمهم، وبهذا تقف الحياة، ويجمد العقل، وتصاب الأمة بالشلل الفكري، نقول لكل هؤلاء:
إن الإسلام لا يعرف هذه العصمة ولا يقر هذا الجمود، وهذا هو سيدنا ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص).
هذا وبالله التوفيق.