إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فمن الناس من إذا أحب قومًا أو وافقهم رفعهم إلى أعلى عليين ووضعهم في مصاف المعصومين لا يقبل في حقهم نقدًا ولو كان في محله، ولا يرى لهم عيبًا ولو كان مرئيًّا للأعمى، وصدق فيهم الحديث "حبك الشيء يعمي ويصم" (مسند أحمد من رواية أبي الدرداء، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط إنه صحيح موقوف) وفيهم يصدق قول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة **** ولكن عين السخط تبدي المساويا
ومن الناس من إذا كره قومًا أو خالفهم سلبهم كل فضل ونسبهم إلى كل نقص، وقال فيهم ما قال مالك في الخمر!!.
والفريقان المذكوران بعيدان عن منهج العدل في القول والحكم الذي أمرنا به القرآن الكريم في آيات عديدة ومواقف مختلفة كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) (النساء).
فالمؤمن مأمور بقول العدل ولو على نفسه أو والديه أو أقاربه، بل أوجب الله العدلَ على المؤمنين حتى مع من كذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجوه وصدوه هو وأصحابه عن المسجد الحرام، قال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (المائدة: من الآية ٢).
ومنه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)) (المائدة).
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي واعملوا فيه بأمري".
ثم قال: وأما قوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) ولا يحملنكم عداوة قوم ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوة).
فالعدل أساس محكم من قواعد الإسلام وأخلاقه، أوجبه الله في كل الظروف والأحوال والأشخاص المتفق معك والمختلف، المسلم والكافر، يقول ابن تيمية رحمه الله: "إن العدل واجب في كل أحد على كل أحد في كل ظرف وكل مكان وحال، والظلم محرم من كل أحد على كل أحد في كل ظرف وكل مكان وحال".
فإذا كان العدل مطلوبًا بهذه الصورة فما الذي يجعل الناس ينحرفون عنه إلى الظلم؟
أقول: هناك أخطاء يقع فيها الفرد تجعله مجانبًا للحق والعدل في حكمه على الأفراد والهيئات والجماعات من ذلك:
1- نسيان الفضل لأهله: فقد يجتمع في الرجل أو الهيئة أو الجماعة خير وشر، معروف ومنكر، فيتسرع بعضهم في الحكم عليه بصورة مجملة دون النظر إلى فضله الحاضر أو السابق، ودون النظر إلى الجوانب الأخرى المضيئة فيه، وفي ذلك ظلم كبير وتجنٍّ على الحقيقة ودليل ذلك حديث البخاري عن عمر رضي الله عنه: (أن رجلاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يُضحك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب (أي الخمر) فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :لا تلعنوه فوالله ما علمتُ أنه يحب اللهَ ورسولَه) (البخاري كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج عن الملة برقم 6780 فتح ج12 ص 77)، فهذا في شارب الخمر فما بالك بمن يجرح إخوانه ولعله يسبهم ويشتمهم لمجرد تبنيهم رأيًا في مسألة خلافية؟!!
ونذكر في ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما بعث برسالة لناس من المشركين في مكة يخبرهم فيه بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة فأخبر الله نبيه، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيه بالرسالة قبل وصولها للمشركين فإذا فيها (من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش؛ يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا، فقال: "ما هذا يا حاطب؟" فقال: لا تَعْجَلْ علىَّ يا رسول الله. والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأً مُلْصَقـًا في قريش؛ لست من أنْفَسِهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان اللهَ ورسولَه، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمرُ لعل اللهَ قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" فذَرَفَتْ عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم". (انظر قصة فتح مكة في الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري)، فرغم جسامة الخطأ وعظم الذنب لم ينس النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب أنه من أهل بدر بما لهم من مكانة خاصة في الأرض وفي السماء.
فهل يعي ذلك شبابنا ولا ينسوا لأهل الفضل فضلهم ولا لأهل الجهاد جهادهم؟
2- الإجمال والتعميم:
وهو الخطأ الثاني الذي يؤدي إلى ظلم الناس فحينما تقول (الجماعة الفلانية صفتها كذا أو قبيلة كذا كلهم يتصفون بالكذب مثلاً أو أن فلانًا كل مواقفه نفاق ورياء)؛ التعميم هنا ظلم وخطأ بلا شك، والقرآن يعلمنا الاحتراز عند إطلاق الأحكام، وذلك نحو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4)) (الحجرات)، فتأمل قوله: (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)، وانظر عدالة القرآن في استثناء البعض من الحكم ولو كانوا قلة. ثم تأمل عدالة القرآن وهو يتحدث عن أحوال أهل الكتاب فيقول: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)) (آل عمران).
فالقرآن يعلمنا التفصيل في الأحكام فمنهم الأمين مهما عظمت القيمة المادية للأمانة المحفوظة عنده، ومنهم الخوان مهما كان الشيء الذي ائتمنته عليه حقيرًا لا يساوي شيئًا.
ثم انظر إلى قرآننا العظيم وهو يعطي النموذج الأرقى في الحكم على المخالف فيقول: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)) (آل عمران).
فتأمل قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) وفيها العظمة كلها والرقي والعدل كله.
وفي القرآن من ذلك كثير لمن بحث وتأمل وتدبر.
وانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرد على حذيفة رضي الله عنه حينما سأله: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن..." الحديث. (صحيح مسلم كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن)، فأثبت الخيرية لبعض القوم ولم يظلمهم مع وجود الدخن بينهم.
3- استغلال الأخطاء وتضخيمها: وقد وقع ذلك من المشركين وسجله القرآن العظيم ورد عليه وذلك في قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ) (البقرة: من الآية ٢١٧).
والسبب في نزولها كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) من القتال فيه، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وغيره أكبر منه (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه". (انظر الدر المنثور للسيوطي).
فالأخطاء واردة من الكل، فما ينبغي أن ترى القذاة في عين أخيك ولا ترى الخشبة في عينك!!.
4- تصديق الشائعات والاتهام بالظن:
فقد نهانا الله تبارك وتعالى عن سوء الظن وخصوصًا بمن كانت حاله أقرب إلى الصلاح والدين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: من الآية ١٢).
وأمرنا بالتثبت من الأخبار حتى لا نصيب قومًا بجهالة فنندم فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)) (الحجرات).
ونهانا عن تناقل الإشاعات الكاذبة عن الصالحين، ثم أرشدنا إلى المنهج القويم في تلقي هذه النوعية من الإشاعات فقال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)) (النور) وفي الحديث: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (مقدمة صحيح مسلم- باب في النهي عن الحديث بكل ما سمع- حديث رقم 7).
وفي الختام أعظ نفسي وإخواني بتذكر الوقوف بين يدي الله عز وجل ليسألنا عن النقير والقطمير، والصغير والكبير، وعن كل كلمة أو غمزة أو لمزة صدرت منا: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)) (البقرة).