جاء إليَّ أحد أقاربي وهو طالب في السنة الثالثة في إحدى الكليات، وقال إن عنده مشكلة كبيرة ويريد مشورتي فيها.
وملخص المشكلة أنه من الشباب الذين يتعرفون على الفتاة شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل وبعد مدة يمل منها فيتركها، ويفتعل مشكلة أو خناقة أو تمثيلية وعلى أثرها يترك هذه الفتاة ويبحث عن أخرى، وأحيانًا يتعرف على أكثر من فتاة في وقت واحد، وقد قال لي بلسانه إن ما يقوله لواحدة من كلمات حب وعشق يقوله للثانية وبنفس تعبيره "كوبي وبست"، وأن العلاقة تطورت مع إحدى البنات إلى حد كبير، ومشكلته تتمثل في أنه يخشى على نفسه الوقوع في الزنا، وعلى قلبه أن يموت ولا يكون عنده مشاعر لزوجته في المستقبل، ولكنه غير قادر على ترك علاقاته مع البنات!.
وأنا الآن أضرب هذا المثال الصغير لأن هذا الشاب قال لي معلومة خطيرة أفزعتني، قال لي: (إن النادر من الشباب هو الذي ليس له علاقات قبل الزواج، وإن معظم هذه العلاقات تتعدى كلمات الإعجاب والمقابلات والتليفونات، وبعضها يتطور إلى الزواج العرفي وما بين هذا وذاك توجد أهوال وفظائع).
فانفطر قلبي وشعرت بغصة شديدة وأنا لا أعرف مدى صحة كلامه، ولكني أردت أن أوجه هذه الهمسات لكل شاب وفتاة له علاقة محرمة ويريد أن يتوب منها أو أنه خائف من عقاب الله أو يريد أن يرتاح ضميره.
حاجتنا للحب
إن الله عزَّ وجلَّ قد جعل لكل إنسان احتياجات أساسية هي الحاجة إلى الطعام والشراب والأمن والحب و........... إلخ.
وحاجة الإنسان للحب مثل حاجته للطعام والشراب والهواء، فهي فطرة طبيعية وغريزة وشهوة وضعها الله في قلوب بني آدم، وبالحب يشعر الإنسان بلذة الحياة وبالدافع لحياته، وفي رأيي أن الإنسان الذي يحيا بلا حب فحياته بلا طعم ولا لون ولا رائحة.
ولكن نظرًا لخطورة هذه المشاعر وقدرتها على السيطرة على العقل؛ وضع الشرع ضوابط لإشباع غريزة الحب والعاطفة؛ لأنها لو تركت بغير ضوابط لتحول عالم البشر إلى عالم الحيوان لا تحكمه إلا الغرائز والشهوات.
فسألته لماذا لا تقطع هذه العلاقة وتريح ضميرك؟؟ قال: "إني محتاج إلى أن أسمع كلام حب!
حتاج أن أحس باهتمام وسؤال شخص ما عني؟".
وحتى نستطيع حل هذه المسألة نضعها في عناصر:
أولاً: النقطة الأولى هي رغبتك في التغيير، وعدم رضاك عن نفسك بسبب هذه العلاقة، هذه هي الخطوة الأولى والأساسية في الطريق الصحيح؛ لأن هناك الكثير مَن تكون مشكلته أنه لا يرى أنه في مشكلة.
ثانيًا: وسائل تعينك على التغيير والتغلب على هذه العلاقة.
ثالثًا: كيف لا تعود إلى مثل هذه العلاقات.
رابعًا: كيف أشبع حاجتي للحب بما لا يغضب الله.
أولاً: كيف تقوّي رغبتك في تغيير نفسك؟ وكيف تعزز دافعك الداخلي؟
لا بد أن تعزز هذه الرغبة وتوجد لها الدافع الداخلي ليثبتها ويقويها؛ فكيف ذلك؟:
1- أليست الحاجة للطعام والشراب أقوى من الحاجة للحبِّ والعاطفة، فكيف استطعت أن تحرم نفسك بإرادتك من الطعام والشراب في رمضان 30 يومًا، إلى أن يأتي وقت معين تأكل فيه وتشرب؟، إن الذي استطاع أن يتحكم في شهوة الأكل يستطيع أن يتحكم في باقي الشهوات لو أراد وأصر على ذلك، فهو ليس ضعيفًا.
2- تخيل لو أن أختك أو ابنتك على اتصال بشاب تقابله وتواعده، وهذا الشاب أنت تعلم أنه سيء الخلق ويستغل عاطفتها، وكذب عليها ووعدها وأوهمها أنه يحبها ولا يستطيع العيش بدونها حتى تتعلق به أختك أو ابنتك ثم يتركها أو يفضحها، وأنت تعلم أن هذا الشاب كاذب محتال لا يخشى الله، ماذا سيكون شعورك نحوه؟ هل ستقول: "هي اللي تستاهل"، أم سيكون كل همك هو الانتقام من هذا الشاب المستهتر الذي فعل بأختك ما تفعله أنت ببنات الناس؟؟.
3- والسؤال الأهم هو هل كل الشباب الذين انتهت علاقاتهم بالفتيات بزواج عرفي وفضيحة وكارثة في النهاية؛ هل كانوا يتوقعون هذه النهاية لحبهم وعلاقاتهم بالفتاة؟.. بالتأكيد لا؛ فقد كانوا يظنون أنهم يستطيعون أن يتوقفوا في الوقت المناسب، وأنهم يمتلكون زمام الأمور، ثم فجأة تحدث الكارثة التي لم يتوقعوا الوصول إليها.
إن الذي يضع قدمه على بداية "الزحلاقة" لا يستطيع أن يمنع نفسه من الوقوع في نهايتها، هكذا العلاقة بين شاب وفتاة، خطوة تجر خطوة ثم تقعد في النهاية مذمومًا مخذولاً، ولهذا قال الله (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)) (سورة الإسراء).
(لا تقربوا) لا تقترب بنظرة أو كلمة أو تليفون أو فسحة بريئة، فاحذر أن تضع قدمك على بداية الجرف المائل المنهار حتى لا ينهار بك في نار جهنم.
4- وحديثي الآن للفتاة التي ليس لها عذر في أن تفرط وترخص في نفسها وفي مشاعرها، ولن أقول لك تذكري أباك وأمك لأنهما بالتأكيد قصرا في تربيتكِ، وليس هذا بعذر لك فكلنا يعلم الحلال والحرام ويعلم الصواب من الخطأ، ولكن أقول تذكري زوج المستقبل (الذي بالتأكيد لن يكون هذا الشاب الذي أنتِ على علاقة به)، لو علم هذا الزوج أنه ليس الرجل الأول في حياتك، وأن لك تجارب أخرى؛ هل سيثق فيكِ؟ هل سيظل يحبكِ؟ أم أنه سيتمنى ألا يراكِ بعد ذلك؟.
وتذكري أولادك في المستقبل كيف سيكون رد فعلهم إذا علموا أن أمهم كانت تعرف شبابًا وتواعدهم، هل سيحترمونكِ أم ستسقطين من نظرهم لأنك ضعفتِ وفعلتِ ما تنهينهم عنه؟.
وحتى يستطيع كل واحد منا أن يترك ذنبًا أو معصية فليتذكر أن الله قادر عليه، وأن الله يعطي فرصًا كثيرة للتوبة والندم، فإذا لم يستجب الإنسان فإن أخذه أليم شديد، ويتوالى على الإنسان عقاب الله المتمثل في زوجة سوء تجعله يكره حياته أو تأخر إنجاب أو قلة في الرزق أو عقوق والدين يحرمه الجنة أو عقوق أولاده له بعد ذلك أو..........إلخ، وكل هذا من القانون الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كما تدين تدان".
ثانيًا: وسائل تعينك على التغيير:
أولها هو أن تزيد رغبتك الداخلية في ترك هذه العلاقات التي لا ترضي الله، وحتى تزيد رغبتك اقرأ عن تجارب الآخرين الذين كانت لهم علاقات محرمة قبل الزواج وسترى العبرة فيهم.
ثانيًا: الدعاء وليس الدعاء فقط بل الإلحاح في الدعاء،
واستمد قوتك من الله، وقل له: (يا رب أنا ضعيف، ولا حول لي ولا قوة، ساعدني بقوتك أن أترك معصيتك)، (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً فإنك تجعل الحزن إن شئت سهلاً).
ثالثًا: أن تأخذ قرارك الآن:
نعم الآن وليس غدًا وليس بعد ساعة؛ لأن نفسك لن تتركك وستسوِّف، وشيطانك سيغويك.
خذ قرارك الآن بأن تنسى هذه العلاقة واكتب هذا القرار في ورقة، واجعله رسالة تذكير على هاتفك المحمول، ولتكن مثلاً الرسالة هي (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)(الإسراء: من الآية 32) أو (كما تدين تدان) أو (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13))(الزمر).
أو أي رسالة تثبتك وتذكرك بهذا القرار إذا ضعفت أو نسيت، واجعل هذا القرار دليل قوتك وتحملك المسئولية واختبارًا لإرادتك.
رابعًا: وهو شيء مهم جدًّا جدًّا:
وهو "نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل".
اشغل نفسك إما بحلم تحققه وتسعى له، أو هدف تريد الوصل إليه، كأن تقول بعد 3 سنوات مثلاً سأتخرج بتقدير جيد جدًّا مثلاً، أو آخذ 3 دورات في مجال عملي، أو أكون قد وفرت مبلغ كذا من العمل في الإجازة أو من مصروفي أستطيع أن أبدأ به شيئًا جيدًا كمشروع أو خطوبة أو............ إلخ.
إذا لم تشغل نفسك بهدف تسعى له أو عمل تعمله أو علم تطلبه أو حلم ترصده أطمئنك أنك ستعود لمثل هذه العلاقات مرة أخرى لأنك "فاضي" إلا من رحم ربي.
خامسًا: غيِّر شريحة هاتفك المحمول، واقطع الخطابات والهدايا، واحذف الرسائل أو أي شيء يعيد ذاكرتك إلى هذه العلاقات.
سؤال يطرح نفسه
ولكن هناك سؤال طبيعي يطرح نفسه: ماذا لو تركت هذه العلاقة وتبت ثم بعد فترة عدت لعلاقة أخرى؟
أذكرك بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يمل حتى تملوا" وحديث آخر: "ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنًا توابًا نسَّاء إذا ذكر ذكر".
وحديث ثالث فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ رجلاً أذنب ذنبًا فقال: أي ربّ أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أنّ له ربًّا يغفر الذّنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثمّ أذنب ذنبًا آخر، فقال: ربّ إنّي أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال: علم عبدي أنّ له ربًّا يغفر الذّنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثمّ عمل ذنبًا آخر فقال: ربّ إنّي عملت ذنبًا آخر فاغفر لي، فقال الله تبارك وتعالى: علم عبدي أنّ له ربًّا يغفر الذّنب ويأخذ به، أشهدكم أنّي قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) أخرجه البخاري.
الحمد لله الذي علم ضعف عباده فرحمهم وخلقهم ضعفاء حتى يستعينوا بحوله وقوته، فلا تمل من نفسك حتى يمل منك الشيطان، ولا تيأس من نفسك، فكلما ضعفت ارجع لربك فبابه مفتوح لك دائمًا.
سادسًا: تخيل إحساسك بالراحة والطهارة والقرب من الله إذا تركت هذه العلاقة، تخيل فرحة الله بك "إن الله ليفرح بتوبة عبده"، وتذكر "من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه".
وأخيرًا: كيف أشبع حاجتي للحب دون أن أُغضب الله؟
مشاعر الإنسان مثل عجلة القيادة، أنت الذي تقودها وليست هي التي تقودك، درِّب عقلك أن تتحكم في أفكارك، فتستطيع أن تتحكم فيها بالتدريب.
وجه مشاعرك لحبٍّ آخر مثل أن تحب عملك وتُبرع فيه بحيث يأخذ معظم وقتك، أو أن تحب دراستك وتتفوق فيها، أو أن تحب هواية معينة وتحقق فيها نجاحًا وإنجازات، أو حب الناس والأعمال الخيرية والاشتراك في جمعية خيرية أو دار أيتام أو صحبة صالحة تقضي معهم أوقاتًا جميلة ومفيدة في نفس الوقت.
وحاول أن تجتهد وتضع الخطوبة أو الزواج هدفًا تسعى له، وتوفر له المال، وتخطط له، وتعلَّم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حقٌّ على الله تعالى عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)... وحتى يكتب الله لك هذه النعمة اصبر، واستعن بالله ولا تعجز.