إن ما شهدته مصر من عرس مهيب عظيم للحرية، بخروج الملايين لاختيار من يمثلها بصورة حضارية– على حداثتها– لم يشهدها العالم من قبل، يجعلنا نحمد الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، وندين له بالولاء الكامل، والدينونة الخالصة، على ما حبانا به من نعمة الحرية بعد عهود طالت وامتدت من الظلم والقهر والعبودية.
* وشكر المنعم المتفضل علينا بنعمة الحرية يكون بحمايتها، والمحافظة عليها، واحترام نتائجها.. فلا نحتكر رأيًا لأنفسنا، ولا نحقر رأيًا لغيرنا، بل تُستثمر الآراء– كل الآراء- لتقترب وتتلاحم في دعم وتقوية المجتمع، كما يقوى الحبل المتين ويشتد بخيوطه المتعددة إذا تقاربت وتلاحمت.
وهذا لعمري، من أكبر مقاصد قوله تعالة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)) (الصف).
إذا أخذنا المعنى لمعركة البناء، فيجب أن تتراص الصفوف، وتتضافر الجهود، ويتلاحم الجميع– بمختلف أطيافهم-، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص.
فقد تتعدد الآراء، وتكثر الاجتهادات، لكنها في معركة البناء تنتظم في صف واحد..!
تأمّل القمةً السامقةً في قوله تعالي (صفُّا) ولم يقل رأيًا، لأن الآراء تتعدد ولكن تقوى وتشتد عندما تتلاحم وتعمل في صف واحد، كما يقوى فريق الكرة بتعدد مراكزه، وتباين أماكنه، لأنها تعمل في صف واحد ولهدف واحد.
وتأمل الروعة في قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ)، فالآراء المتباينة، إذا انطلقت من أرض الإيمان، وقصدت الصالح العام، أصبحت كالبنيان، يشد بعضها بعضًا...!
* كما أن شكر المنعم المتفضل علينا بنعمة الحرية، يوجب علينا، أن نشكر من قام بهذه الثورة من شباب حر أبيّ، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر لاستكمال ما بدأ، وتحقيق ما قصد..
كما نشكر هذا الشعب العظيم الذي كان درءًا لشبابه، حارسًا لثورته بعدما استيقظ من سباته، وهب من مضجعه كالبركان، فحطم الطواغيت، وكسر الأصنام، فسقط هبل وما وراءه من اللات والعزة، ومناة الثالثة الأخرى..!
نشكر كل هؤلاء الذين لولاهم– بعد الله– ما قامت ثورة، ولا ذهب طاغية، ولا تحرر شعب، ولا قام حق، ولا ترسخ مبدأ، ولا علت قيمة، ولا ثبت خلق، ولا استقامت حياة..!
* وشكر المنعم المتفضل علينا بنعمة الحرية، يوجب على من اختاره الشعب، ليمثله، أن يسهر على راحته، ويقوم على خدمته، ويسعى لقضاء مصالحه، ويعمل على النهوض به، وتحقيق سعادته.
إن هذا الشعب الصابر المحتسب، الذي ذاق كل فنون الذل والقهر والحرمان– طيلة ستين عامًا– يحتاج إلى من يمسح عنه آلامه، ويأسو جراحه، ويقوم فيه بسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق.
* إن الشكر لله عز وجل والتعبد إليه بخدمة الناس، يرقى بصاحبه إلى منزلة لم يرق إليها بالفرائض المحكمة..
تأمل بعض ما جاء في هذا الباب– وهو كثير-:
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله"، وأحسبه قال: "وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر" (صحيح مسلم)، و الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ "(الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو نُعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب).
وهذا ما جعل الأكابر من الصحابة، ومن سار علي دربهم، يتسابقون في فعل الخير، ولم تنسهم همومهم الكبيرة، ومسئولياتهم العظيمة، خدمة الناس ورعاية شئونهم.
"كان أبو بكر رضي الله عنه قبل أن يصير خليفة يُقدِّم لأهل الحي الذي يسكنه خدمة قد تناهت في العظمة، فقد كان في جيرته بعض الأرامل العجائز اللائي مات أزواجهن واستشهدوا في سبيل الله، كما كان هناك بعض اليتامى الذين فقدوا آباءهم، وكان رضي الله عنه يؤم بيوت الأرامل العجائز، يحلب لهنَّ الشياه، ويؤم بيوت الآخرين فيطهو لهم الطعام.
ولما صار خليفةً، تناهي إلى سمعه حسرة العجائز لأنهن سيُحرمن منذ اليوم من الخدمة الجليلة التي يؤديها الرجل الصالح، ولكنه أخلف ظنونهن.. وذات يوم، يقرع باب إحدى تلك الدور، وتسارع إلى الباب فتاة صغيرة، لا تكاد تفتحه حتى تصيح "إنه حالب الشاة يا أماه".
وتقبل الأم فإذا بها وجهًا لوجه أمام الخليفة العظيم فتقول لابنتها في حياء: "ويحك ألا تقولين خليفة رسول الله؟ فيقول أبو بكر: دعيها، فقد وصفتني بأحب أعمالي إلى الله .!
وتقدَّم حالب الشاة ليؤدي الواجب الذي فرضه على نفسه" (وجاء أبو بكر، خالد محمد خالد).
* إن شكر المنعم المتفضل علينا بنعمة الحرية، يوجب علينا، أن نذكر هذا اليوم الذي تحررنا فيه من أغلال القهر، والظلم، والطغيان، ونجعله يومًا مشهودًا في تاريخنا؛ لأنه يوم من أيام الله!.
لقد احتفى القرآن بقطع دابر الظالمين، ولجلالة الحدث وعظمه، حمد الله عز وجل نفسه بنفسه، لعلمه سبحانه بعجز الخلق عن حمده!.
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) (الأنعام).
وامتنَّ الله- عزَّ وجلَّ- على بني إسرائيل باليوم الذي نجاهم فيه من آل فرعون، وبطشه، وجعله يومًا مشهودًا، ما ينبغي أن يُنسى.. (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) (البقرة).
وقد كان من أكبر مهام نبي الله موسى عليه السلام في قومه، أن يُخرجهم من الظلمات إلى النور، ويذكرهم بأيام الله.. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) (إبراهيم).
إنني أذكر العهد البائد– والعهد به قريب– وأذكر معه- بكل أسى-، هامات أكابر على أعواد المشانق عُلقت، كما أذكر أفواهًا كُممت، ورجالاً في السجون غُيبت، وأطفالاً يُتمت، ونساءً رُملت، وبيوتًا شُردت، وأجسادًا في أعماق البحار رُممت، وقامات من أهل الفكر والرأي عن صنع القرار بل عن الديار أُبعدت، وأمة قُزمت بعد ما غُيبت ..!
أذكر كل ذلك وغيره من المآسي..، ثم أذكر ما نحن فيه اليوم، فأستشعر عظمة ما مَنّ الله به علينا من نعمة الحرية، التي أشرقت شمسها فبددت– وما زالت- ما كنا فيه من ظلام الجهل والذل والعبودية، وعادت أمتي لتقول كلمتها حرة أبية..!
وأجدني– بعد ذلك- أقرأ– والدمع يملأ عيني– ما جاء في كتاب ربي : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) (القصص).. (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) (الأنفال).
بيد أن الدمع لا يغني عن الشكر، والشكر في منطق القرآن عمل، (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ (13) (سبأ).
إذن، فلنشكر النعمة، ونعمل للبناء ..!
---------------------
* داعية وباحث في الفكر الإسلامي