إن حكمة القرون المتطاولة تفعل فعلها، ولا سيما إذا وافقت شعوبًا أسهمت إسهامًا بارزًا في الحضارة الإنسانية.

 

هذا هو الصوت الذي يسكن قلوب الأفراد من هذا الشعب العظيم، وأذكر في هذا المفتتح كلمة شهيرة كان دائمًا يصرخ بها فينا الراحل العظيم مصطفى ناصف ويقول: إننا في حاجة إلى أن نتذكر!

 

وفي هذا السياق فنحن في حاجة إلى أن نتذكر أن مصر هذه التي تفيض اليوم بغضبها هي التي أجبرت حاكم مصر في يوم غضب شعبي سنة 1805م، وأخرجته حافيًا، بعد أن تجمَّع المصريون، وأحاطوا به وأسقطوه، يقول الجبرتي (6/522): "واجتهد السيد عمر أفندي النقيب، وحرَّض الناس على الاجتماع والاستعداد، وركب هو والمشايخ... ومعهم الكثير من المشايخ والعامة، والكل بالأسلحة والعصي، والنبابيت، ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات".

 

إن حكمة القرون المتطاولة تقتضي أن تذكروا الأمة أن الله سبحانه وعد الجماعة الفاعلة الصابرة بتنامي قوتها، وذلك في قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)) (الأنفال).

 

وهنا يصح تذكر ما قاله طارق البشري في كتابه (مصر بين العصيان والتفكك ص 39): "إن الطغيان لا يبقى قويًّا مدعومًا إلا بقدر ما يكون الناس متفرقين، وهو يعرف جيدًا من أول درسٍ استوعبه في علم الطغيان أن مصدرًا مهمًّا لقوته عليهم هو الشتات الذي يحيون فيه؛ لذلك لا بد من تجاوز الشتات، شتات المواطنين في وطنهم".

 

هذا أول شيء ينبغي للغاضبين أن يتذكروه، والكل من عقلاء الأمة ومفكريها وعلمائها وأصحاب الضمير الوطني فيها يجمعون" أن الحال وصل إلى حدود لا يقبلها ذوو النظر السليم للأمور من وطنيين ومهنيين وأصحاب فكر جاد وخلق مستقيم، ومن هؤلاء الآلاف الذين تضمهم أجهزة دولة واسعة الانتشار، واسعة العمل، ذات تاريخ، وذات خبرات متراكمة "على حدِّ تعبير طارق البشري مرة أخرى".

 

لقد جاء الغضب الذي تمور مراجله اليوم، وفي اللحظة الراهنة ناتج تراكمات من الكبت، كان أخطرها تهديد المصريين في محددات هويتهم الإسلامية تعيينًا، انفجر غضب الناس في اللحظة التي أهين فيها كتابهم الكريم، همش تفعيله، تحكيمه، وتعالت الأصوات تكذب بصريح آياته، في تكذيب آيات الحجاب مثلاً.

 

انفجر غضب الناس يوم حوصرت المساجد، وغلقت أبوابها، وأسند أمر إدارتها لمن نعرف، ولمن نسمع دعواتهم المستميتة لزيارة إسرائيل.

 

وانفجر غضب الناس يوم أهين رمز إسلامهم، وسُحل في الشوارع دون رعاية لهدي ظاهر، أو مكانة مرموقة بين الناس، واستهزئ برموز الفكرة الإسلامية علنًا، ومن دون مواربة.

 

وانفجر غضب الناس حتى نطق أصحاب الفطنة والاتزان والحكمة من رموز هذا الوطن بضرورة الانفجار.

 

انفجر غضب الناس يوم قال رجل في وزن طارق البشري في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك" ص 115: "لو كنت أعرف كيف أنظم مظاهرة وأهتف فيها لفعلت، لو كنت أعرف كيف أمسك بالعصا أشوح بها في وجه ظالم مستبد، أو عميل استعماري لفعلت!".

 

لقد جاء اليوم وفهم الناس إشارة الحكماء، وقاموا عنهم بأداء الأمانة.

 

لقد جاء اليوم الذي غضب كل قلب كريم طالما أهين، وحوصر وضُغط، وأُذل، وربما خنقوا صوته اليوم، وربما نكلوا به، وربما منعوا تواصله، لكن اليقين الذي ينبغي أن يؤمن به الجميع أن تراث الإسلام الذي تجذَّر في النفس المصرية خلال مئات السنين لن يستطيع أحد أن يقتلعه أو يمحوه.

 

جاء اليوم وغضب الناس وعلى الذين أهانوا عقل المصريين ووجدانهم باسم الدرس الفلسفي والأكاديمي أن يراجعوا أنفسهم، لقد كان المشهد الأبرز في احتجاجات الغضب هي تجمع الناس لصلاة الجماعات في ميادين الاحتجاج؛ لتكون الرسالة واضحة، وهي أن ضمير مصر مسكون بفعل الصلاة، وأن فعل الصلاة درس بالغ في رفض الطغيان، والاعتراض عليه، وفي السعي لاستئصاله ومحوه.

 

في هذه اللحظة الراهنة فإن مصر مطالبة باسترجاع ماضيها وحاضرها معًا، ماضيها الإسلامي الذي أزال طغيان الرومان، ورفع الغبن عن كاهل المصريين، وحاطهم بالعدل والرحمة، وحاضرهم الوطني ذي الأصول الإسلامية الذي أزال طغيان المماليك، وطرد الغاصب المحتل الغازي الذي تلوَّن كثيرًا، واتخذ أشكالاً متنوعة.

 

في هذه اللحظة الراهنة فإن مصر مطالبة بمسح الطين الذي علق على جبينها من فعل التهميش، والظلم، والاستبداد، وإقصاء العلماء، وتفريغ معاهد العلم من طاقاتها، وقدراتها، وتغليق المساجد، وتكميم الأفواه.

 

إن مصر وهي تستقبل دورة جديدة من عمرها أسقطت فيها رموز حقبة مريرة من تاريخها يلزمها أن تتنبه لما يلي:

 

أولاً- ضرورة حياطة كرامة المواطن، والعمل على استردادها كاملة دون أية شائبة من نقصان.

 

ثانيًا- ضرورة التنبه لموقعها الحضاري الذي يفرض عليها أن تعي أن في حياتها ومجدها حياة أمة عريقة ممتدة جغرافيًّا ولسانيًّا.

 

ثالثًا- أن هويتها على المحك، صحيح أن الناس عندما صوتوا للإسلاميين كانوا يعلنون انحيازهم إلى الهوية الإسلامية، لكن ذلك لا يعني أن الحرب على هذه الهوية قد توقفت أو في سبيلها إلى التوقف في المدى القريب.

 

واليوم يقدم الإخوان واحدًا من دروس العمل الوطني القائم على احترام المنافس السياسي الوطني.

 

حمى الله مصر، ومدَّ في أركان عزتها.

 

--------------------------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية.