معلوم أن الإنسان مخلوق مكرم من الله تعالى، أوجده الله تعالى لوظيفة محدَّدةٍ؛ هي عبادته سبحانه وتعالى، وجعله عز وجل خليفة له في الأرض؛ ليعمرها بالإيمان والإسلام، ولهذا فإن إصلاحه وتغييره إذا ما حاد عن الطريق أو انحرف عن المسار الصحيح الذي أوجده الله تعالى للسير فيه، له طريقة تختلف عن إصلاح المخلوقات الأخرى من الحيوانات والآلات، إذا ما حدث فيها الخلل والعطب، فإصلاح سيارة أصابها التلف يختلف عن إصلاح إنسان أصابه الانحراف والعوج، والمقرر عند العلماء أن تغيير الإنسان لا يمكن أن يتم إلا بإصلاح باطنه، وانطلاقة تغييره يجب أن تنبع من داخله، لأن الإنسان لا يقاد كما تقاد الأنعام، ولا يُصَنَّع كما تُصَنَّع الآلات من حديد أو نحاس أو معادن، ولا هو حاصل مركب كيميائي مُكَوَّنٍ من مجموعة من المواد، بحيث تتغير النتيجة إذا ما تغيرت النسب والمقادير، وإنما الإنسان يُحَرَّك من عقله وقلبه، يُقْنَع فيقتنع، ويُهْدَى فيهتدي، ويُرَغَّب ويُرَهَّب، فيرغب ويرهب.

 

وانطلاقًا من هذا فإن أول ما يجب بناؤه في الإنسان هو غرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في قلبه؛ الأمر الذي ينشأ معه نشأة جديدة، بروح جديدة وعقل جديد وعزم جديد، وميزان صادق يزن به الأشياء والأحوال، ولسنا في هذا بدعًا من المصلحين؛ وإنما نحن متبعون لخيرة الناس وأئمتهم، وهم الأنبياء والمرسلون، وفي القمة منهم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، حيث جاءت بعثته، والإنسان قد هانت عليه إنسانيته، وظلم نفسه؛ حتى صنع إلهًا من العجوة، وعبده من دون الله؛ فإذا جاع أكله، فنقله النبي صلى الله عليه وسلم بمنهج الله تعالى من عبادة الصنم ورعاية الغنم إلى هداية الله، وأخرجه من الظلمات إلى النور، فصار بالإيمان قائدًا للأمم، والتربية النبوية للإنسان تمثل خريطة طريق لكل صادق في التغيير والإصلاح، فلقد بنى المصطفى عليه الصلاة والسلام أصحابه بناءً حقيقيًّا، وليس صوريًّا أو شكليًّا، بناءً متوازنًا لا يطغى فيه جانب على جانب، ولا يبخس فيه جانب من الجوانب، فالتربية النبوية للإنسان تشمل روحه وعقله وخلقه وجسده وعلاقته بالمجتمع، ونحن مدعوون إلى التأمل الصادق في المنهاج النبوي في تربية الإنسان.

 

إخواني الأحباب، لعل أحدكم الآن يقول: ما شفيتنا أيها الشيخ بهذه الكلمة؛ فنحن جميعًا مؤمنون بصحة هذا الكلام، وقد نكون ممن قالوه المرة بعد المرة، ولكننا طامعون منك وقد وعدتنا بأن تكون نصيحتك مصحوبة بالخطة العملية التي يتحول بها الكلام إلى فعل، والأحلام إلى واقع مشاهد منظور!.

 

وأنا هنا أبادر إلى بيان الخطة العملية للبداية الصادقة، فأقول مستعينًا بالله وحوله وقوته:

* يجب أن تستحضر أولاً أنك في حاجة إلى تغيير، لأنك لو لم تستحضر هذا المعنى فمن البعيد أن تحفل كثيرًا بما يُوَجَّه إليك من نصح وإرشاد، وقديمًا قال العلماء: "إن أصل كل معصية وشهوة وغفلة الرضا عن النفس" وهذا الكلام صحيح مائة في المائة من الناحية الواقعية، لأن الراضي عن نفسه لا يجد حاجة ولا داعيًا لتغيير أوضاعها، بل إنه إذا ما سمع كلامًا أو نصيحة تلفت انتباهه إلى عكس ما هو عليه، فإنه لن يأبه لها، وقد يناصبها العداء، لأنه يراها صدرت من غير بصير ولا عالم بالأمور، ومشكلة صاحبنا أنه كلما أسرع في السير فيما هو عليه من عصيان ابتعد عن الهدف الصحيح، وهو الفوز برضوان الله تعالى وجنته.

 

* يجب أن تستحضر ثانيًا أن الذي يملك تغييرك تغييرًا كليًّا وإصلاح أحوالك إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، فلا تظنن أنك صاحب مهارات وقدرات يمكنك أن تنتصر بها على هواك وشهواتك من غير معونة من الله سبحانه وتعالى، ولعل هذا هو السر فيما علمنا ربنا سبحانه وتعالى أن نقوله كل يوم مرات كثيرة في سورة الفاتحة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) (الفاتحة)، فطلب الاستعانة هو أول طلب بعد الإقرار بأن مهمتنا في الكون هي عبادة الله وحده دون سواه، ولهذا دلالة مهمة فيما نحن فيه، وهو أن نوقن أننا لن ننجح في مهمتنا في إجادة العبادة إلا بمعونة من الله تعالى لنا، يؤيد ذلك الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

 

* أخي الكريم، استخرج بطاقة هوية جديدة، غيِّر ما كنت عليه من قبل، تحدد في هذه البطاقة نسبك وعلامتك التي تعرف بها وصفتك التي تشتهر بين الناس بها، ومن المؤكد أنك مشهور بين الناس بصفة وعلامة، متى ذُكِر اسمك في ملأ من الناس تبادرت للأذهان، أو إذا نزل شخصٌ غريبٌ إلى بلدك؛ ليسأل عنك، فما الصفة التي تشتهر بها؟ والعلامة التي تعرف بها؟

 

إذا كان أحد من أهل البلد لا يعرف اسمك ويريد شخصًا آخر أن يعرفه بك، فماذا سيقول عنك؟

 

ل سيقول: إنه الشاب الملتزم المؤدب الوقور الودود الذي يصلي الصلوات في مسجد كذا، والذي تراه ساعيًا في قضاء حوائج الناس، مغيثًا للملهوف، فاعلاً للخير ناصرًا للحق، بعيدًا عن مواطن الشبهات، وأماكن الحرام وصحبة السوء؟ أم أنه سيقول عنك كلامًا آخر؟ على ضوء ما تعرف أنك مشهور به في المكان الذي تعيش فيه أرجو أن تستخرج الليلة بطاقة هوية، يشرفك في القيامة أن ينادى عليك ضمن المنسوبين إليها، فالناس سيحشرون كما تعلم يوم القيامة زمرًا، يعني جماعات وراء جماعات، كل مجموعة منها تتميز بميزة وتتصف بصفة مشتركة فيما بينها، وعليك أن تختار الزمرة التي ستسير معها يومها من الآن!.

 

* معلوم أن من أراد أن يتعلم الطب فإنه لا يتصور أن يذهب إلى كلية الهندسة، ومن أراد أن يتعلم المحاماة فلا يتصور أن يلتحق بكلية العلوم، وكذلك فمن أراد أن يتعلم الإيمان فلن يجد مكانًا أفضل ولا أعظم من المسجد؛ ليتعلم فيه الإيمان والقرآن، ولذلك فإن من الخطوات الضرورية للإصلاح والتغيير أن تتغير صلتك بالمسجد، ولا تكون ككثير من المسلمين الذين يتعاملون مع المسجد كما يتعامل الموظفون مع محل وظيفتهم الحكومية، يود أن لو كانت هناك عطلة رسمية أو مناسبة وطنية، حتى لا يذهب إليه، وإذا ذهب فهو الحريص كل الحرص على التوقيع والانصراف السريع، وما هكذا تكون صلة المسلم بالمسجد، فالمسجد عنوان الإصلاح عندنا ورمز التغيير الحقيقي في حياتنا، ولا أظنك تتصور أن مرادي بتصحيح علاقتك بالمسجد أن تنقطع عن معاملة الخلق، وتمكث ليلك ونهارك فيه، فمن سيعلم الناس في المدارس والجامعات؟ ومن سيزرع الأرض؟ ومن سيصنع السلع؟ ومن سيداوي الجرحى؟ ومن سيقاتل العدو إذا اعتزلت الناس في المسجد؟ إنما المراد أن تكون لك مع المسجد علاقة جديدة حقًّا، بحيث تُعْرَف بأنك من أهله، تُسْرِع الخطى إليه كلما يتيسر لك ذلك، وتطيل الجلوس فيه بين الحين والحين؛ تجديدًا لإيمانك وتنشيطًا لهمتك، وإذا ذهبت لعملك أو لبيتك فأخلاق المسجد معك تلازمك، فكأنك تسير في الشارع، وقد ربطت قلبك بحبلٍ طويلٍ ممتدٍ للمسجد، فإذا ما أرادت نفسك أن تزيغ ها هنا أو ها هنا فإن الحبل سرعان ما يجذبك إلى المسجد، فتقول لنفسك: اتق الله، ما هكذا تكون أخلاق أهل المسجد!.

 

* غيِّر عتبة بابك، هذه الكلمة قالها الخليل إبراهيم عليه السلام لزوجة إسماعيل حتى تبلغه بها على لسان الشيخ الذي زارهم في غياب إسماعيل، وكانت إشارةً منه إلى تغيير هذه الزوجة، وهي المصاحبة له في بيت الزوجية؛ لما رأى الوالد الفقيه أنها غير راضية بقدر الله تعالى فيهما، وساخطة ومتضجرة على معيشتها، فترك له هذه الرسالة؛ لعلمه أن مصاحبة الأشرار والساخطين على قضاء الله وقدره تُعْدِي الأخيار، وأهل الرضا والاستقامة، كما يُعْدِي السَّليمَ الأجربُ، ونحن هنا نستعير هذه الوصية الإبراهيمية النافعة بإذن الله تعالى، ولا يغيب عن فطنتك أن كثيرًا من العصاة ربما حدثت الواحد منهم نفسه بصدق أن يتوب إلى الله تعالى ويغير حاله وسلوكه، ولكن العائق الوحيد له عن هذا التغيير إنما هم الصحبة والرفقة التي كان يرتبط بها، ذلك أن الذي اتبع هواه لن يسلم ببساطة أن يترك صاحبه الذي ندم على ما كان مسايرته في طريق الهوى والشيطان، وسيدافع بكل ما أوتي من قوة عن أي تغيير يرجوه صاحبه هذا؛ إن لم يكن لأن صاحبه صار شيطاني الهوى والسلوك بالكلية، فلأن نفس العاصي لا ترضى أن ترى الناس وقد تركوا المعصية؛ الأمر الذي يؤلمها صباح مساء؛ لأنه يوقفها أمام الحقيقة المرة، وهي أن اتباع نفسه للمعصية لا يرجع لعجز البشر عن مقاومة المعصية، بقدر ما هو ضعف في شخصيته هو عن اتخاذ الموقف الصحيح منها، بدليل أن صاحبه، وهو شاب مثله، قد تركها واستقام حاله، ولذلك فعليك أخي الكريم أن تتيقظ لهذه المعركة التي سيشنها عليك أصدقاء السوء في المرحلة الأولى من التغيير، من الهمز واللمز، والسخرية والاستهزاء، وقد يصل الأمر إلى التهديد بالفضيحة والإعلان عن أسرار الفواحش والانحرافات التي كانت، وما دمت ارتأيت العودة إلى الله فلا تبتئس، وواصل السير في الطريق فهذا خير سبيل للنجاة من شرورهم وآثامهم، ولن يضيعك الله إذا علم منك صدق التوبة والإنابة إليه.

 

أعلم أن هناك أمورًا كثيرة يمكن أن يضيفها إخواننا في الله تعالى لما كتبته هنا، ولعلهم يساهمون بها مع إخوانهم في تعليقاتهم؛ لعل الله أن ينفعنا جميعًا بما كتبنا وقرأنا، ويكتبنا جميعًا في خيرة عبادة الصالحين، وهو المستعان وعليه والتكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأطمع من كل أخ انتفع بشيء من هذه الكلمة ألا يحرمني من بركات دعائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

----------------

* أستاذ الشريعة بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر