(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ)

لا شيء أشق على النفس من الشعور بالظلم، إلا الشعور بالعجز عن دفعه واليأس من أن يجد سبيلاً إلى رفعه، ويتحول الظلم إلى كابوس مخيف عندما يصيب الناس في معايشهم وأرزاقهم ومجريات حياتهم، ويزداد الأمر بشاعة عندما يصير الظلم بين الناس سلوكًا مألوفًا وعرفًا متداولاً حتى لا يجرؤ أحد على تغييره أو التفكير في التخلص منه.

 

استشعرت هذا المعنى عندما قرأت قول الحق سبحانه:

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)) (المطففين).

 

وشعرت كأنما أقرأ الآيات لأول مرة، فلقد شخَّصت الآيات الكريمات الداء الذي أصاب الأمة فقلب حالها، وأفسد أمرها، ونخر في كيانها حتى أرهقها وأوهن قواها، ثم قدمت العلاج ناجعًا حكيمًا.

 

إن الداء الذي أصاب الأمة اليوم هو داء "التطفيف"، والتطفيف نوع من الظلم والحيف ومجاوزة الحد يؤدي بصاحبه إلى التحامل والميل على الآخرين، وهو على الجانب الآخر، أنانية مفرطة، وزيادة في حبِّ النفس، وجحود وكنود، والمطففون كما يصورهم الخالق سبحانه:
(إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)).

 

ولقد اعتاد الناس أن يضيقوا معاني بعض الأشياء، ويقصروها على الجانب الظاهر منها، وينسون ما وراء ذلك من المعاني التي تكون في الغالب هي الأهم والأولى بالتمعن والتأمل ودقة الإدراك، فكما قصروا مفهوم الأمانة على الوديعة، وقصروا مفهوم الصدق على مجرد الحديث والكلام، كذلك قصروا مفهوم التطفيف على البيع والشراء، ومع تسليمنا بأن البيع والشراء هو الميدان الأوسع الذي تظهر فيه عملية التطفيف مجسمة محسوسة، فإنه ليس هو الميدان الوحيد، وإنما التطفيف معنى يتسع ليشمل كل ما يمارسه الناس من ظلم وجور وإجحاف، وعدم إنصاف في مجالات الماديات والمعنويات، وفي كلِّ ما يتعلق بالحقوق والواجبات.

 

فالأمير الذي أخذ من أمته حسن السمع والطاعة، ولم يعطها حسن القيادة وأمانة القوامة، وصدق التوجيه، يكون مطففًا، كما يكون مطففًا إذا أخذ من مالها ما ليس له، ونقص الرعية حقها في المأكل والمسكن والمركب وقرب وأبعد، وأعطى ومنع، وأثاب وعاقب، من منطلق ميوله وأهوائه ومصالحه الذاتية، ونسي مصلحة الأمة وحقها عليه.

 

ويمارس كثير من رؤساء المصالح والمؤسسات صورًا بشعة من التطفيف والإجحاف عندما يقربون ويبعدون ويرفعون ويخفضون، ويعطون ويمنعون؛ تبعًا لما يجدونه في مرءوسيهم من ألوان التملق والتزلف وإظهار الولاء، وليس على أساس الكفاءة والبراعة وحسن الإتقان.

 

كما يكون مدير المؤسسة، أو صاحب العمل مطففًا إذا بالغ في تعظيم قدرات نفسه، فمنحها أكثر مما ينبغي لها، وأصيب بنوع من تضخم الذات وآلمه أن يرى في مؤسسته من هو أعلى منه مكانة، أو أكثر منه علمًا، أو أقدم خبرة أو أكبر منه سنًّا، فمارس على هؤلاء نوعًا من الإجحاف والظلم، بأن سعى في تصغيرهم، أو سلبهم بعض ما لهم من حقٍّ بأية صورة من الصور، ونسي في غمرة ذلك كله قول الخالق الحكيم سبحانه: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)) (الرحمن).

 

ومن أبشع ما رأيت من ألوان التطفيف، الذي فسدت به حياة الناس وتعقدت به معايشهم، ما نراه في مدارسنا من حرص المعلم على تحصيل راتبه كاملاً غير منقوص، وإذا شعر بنقص في راتبه ولو كان صغيرًا ضئيلاً رأيته ملأ الدنيا بالشكوى، وجهر بالسوء من القول، لكنك إذا غافلته بالنظر إليه في غرفة درسه، رأيت ألوانًا من العبث واللهو، وإهدار الوقت في غير فائدة، مع غياب الجدية والإيجابية في تناول الدرس بصورة صحيحة، وإذا اضطر إلى تناوله تعمد ترك بعض جوانب الدرس غامضة تحتاج إلى شرح جديد؛ ما يضطر الطلاب اضطرارًا للبحث عن المدرس في بيته، لكي يفهم الدرس فهمًا دقيقًا، وعندها سترى المعلم يخرج للطلاب كل ما خفي عليهم من جوانب الدرس الذي استعصى عليهم فهمه في المدرسة، وتراه يصنع ويبذل من أنواع الحيل والوسائل ما يجعل الدرس سهلاً ميسورًا، وإذا واجهت أحدهم بحقيقة حاله احتج عليك بأن الطلاب غير جادين في طلب العلم، وأنهم لا يحتاجون إلى دروس المدرسة؛ لأنهم يتلقون دروسًا خصوصية في المنزل، وهكذا يصنعون الداء، ثم يجعلونه حجة يتعللون بها لتضييع الحق وظلم الناس، وعند ذلك يجد الطالب نفسه مضطرًّا للذهاب إلى المدرس في بيته ليأخذ منه حقه الذي لم يجده في المدرسة، لكنه يأخذه بمقابل يفرضه المدرس، ويتحكم في تقديره كما يريد تبعًا لأهمية المرحلة، وحاجة الطالب الملحة إلى فهم المقرر، نظرًا للتنافس المحموم على المساحة المحدودة، التي تتيح للطالب الالتحاق بكلية مرموقة والتي تتطلب من التلميذ ألا تقل درجاته عن الدرجة النهائية إلا بمقدار درجتين أو ثلاث، وهو ما يعني أن على التلميذ أن يكون على مستوى المدرس، بل على مستوى واضع المنهج نفسه، حتى يحقق ما يريد، وعلى ولي الأمر وأهل البيت جميعًا أن ينتظروا بعد كابوس الدروس الخصوصية طوال العام كابوسًا آخر، يتمثل في قبول الطالب ورفضه في كلية مرموقة، وعند الرفض ستكون المأساة أكبر من كابوس العام كله؛ لأنها ستكون إعلانًا عن خيبة الأمل بعد خراب البيت، فعدم قبول الطالب في الكلية المرموقة يعني دخوله إحدى الكليات التي لا يجد خريجوها عملاً، وإنما سيحكم عليه أن يكون "زبونًا" دائمًا على مقهى ليكون عبئًا على أبويه.

 

ومما يحزن ويؤلم أنك تجد المدرس وهو يمارس تطفيفه الأول يمارس تطفيفًا جديدًا، يتمثل فيما أسموه بالمقدم، والمقدم يصل عند بعض المدرسين إلى ما يساوي أجره عامًا كاملاً، إضافة إلى أجرة الشهر، دون أن يحتسب من المقدم شيئًا، فهو أشبه بالخلو، ولا تسألني خلو ماذا، فلا أنا، ولا ولي الأمر، ولا الطالب حتى المدرس يملك لك جوابًا، إلا أنها "إتاوة" يدفعها ولي الأمر كارهًا ناقمًا، داعيًا على هذا الظالم المطفف المجحف بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكن الإنصاف يقتضينا أن نقول ليس كل المدرسين يتقاضون هذا المقدم اللعين، وإنما يلجأ بعضهم إلى ممارسة التطفيف بطريقة أخرى أكثر ذكاء ودهاء، وهو أن يكلف الطالب ثمن "المذكرة" التي يضطره لشرائها بطريق أو بآخر، وهو ثمن يفوق كتاب أستاذ الجامعة في غالب الأحيان.

 

وهكذا يمارس المدرس التطفيف بأبشع صوره عندما يأخذ راتبًا بغير مقابل حقيقي من الجهد، مستريحًا سعيدًا بالمأساة التي أوجدها في كلِّ بيت، وحالات الاكتئاب التي ضربت غالب أبناء المجتمع الذين يسحقون سحقًا بين موجة الغلاء الفاحش وآفة الأنانية المفرطة التي تصنع جريمة التطفيف، تلك الجريمة التي تؤدي ببعض الموظفين إلى ما يشبه الانتحار المعنوي، عندما يرى نفسه مضطرًّا، لكي يكفي حاجة أهله وولده أن يحول وظيفته إلى وسيلة ابتزاز للناس، وكسب غير مشروع فيتفنن في تعطيل المصالح، وتعقيد الميسور من الأمور لكي يلجئ المواطن إلى دفع إتاوة تفتح له الطريق إلى قضاء مصالحه في سهولة ويسر، وهكذا تتحول الوظيفة لدى الموظف إلى وسيلة للتسول والرشوة والابتزاز.

 

وهكذا تتعطل أعمال الناس وتفسد أخلاقهم وتسوء أحوالهم، ويتحول المجتمع إلى مجموعة من المشوهين نفسيًّا وأخلاقيًّا، ويبيت الناس يتبادلون سوء الظن، ويَلْقى كل واحد منهم أخاه بحالة من التوجس والحذر وبقدر كبير من الكراهية والبغضاء، وهو ما يتنافى مع المجتمع الإسلامي الذي ينطلق في كل أموره من قول الحق سبحانه:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، وقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه".

 

إن مجرد ظن هؤلاء جميعًا بأنهم مبعوثون ليوم عظيم كافٍ لأنْ يحدث في هذه القلوب هزة عنيفة تتحرر بها من سيطرة هوى النفس وميلها إلى ظلم الآخرين، وهو ما لا تستطيعه المناهج الأرضية مهما ملكت من وسائل الترغيب والترهيب.

 

إن المطففين فئة تحب أن تعيش في الجانب المظلم من المجتمع؛ لأنها لا تستطيع أن تواجه الحقيقة، وهي أنهم لا يعرفون إلا أنفسهم، ولا يرون إلا مصالحهم، وإذا تركنا أمر المدرسين والموظفين وما ابتلوا به من هذه الحالة المجحفة والمعقدة، ونظرت إلى لافتات الأطباء التي تملأ الشوارع إعلانًا عن سباق مادي محموم، وتحت كل اسم من هذه الأسماء حشد من المؤهلات والشهادات التي تفنن صاحبها في صياغتها بصيغة دعائية فجة، وكلما أدخل فيها انتسابًا لجامعة أجنبية رأى ذلك مكسبًا وفخرًا لا يتاح لغيره، لثقته أن عقدة الخواجة ما زالت تحتل عند مواطنيه المنزلة الأولى، بعد أن برهنت الأيام على فقدان الثقة في كلِّ ما هو محلي.

 

إذا نظرت إلى هذه اللافتات ستجد وراء كل لافتة منها جريمة تطفيف بشعة، فالأصل في هذا الطبيب أنه موظف في جامعة أو مستشفى، وأن الدولة قد أنفقت عليه من أموال الناس حتى تخرج وحصل على أعلى الشهادات، كما أن الدولة قد أنفقت على المستشفيات من أموال الناس وعرقهم ما يكفي للقيام بحقهم في تلقى العلاج المناسب.

 

لكن الطبيب الناجح والمشهور ضن بعبقريته على أمته ومواطنيه وقصر نجاحه على إثراء نفسه، وإشباع نهمه، وحرمان الأمة كلها من خيره، واختار أن يتاجر بذكائه وموهبته بالطريقة التي يراها مجتهدًا في اختراع الحيل والوسائل التي يبتز بها جيب المريض بأكبر قدر ممكن، فهو لم يكتف بتضييع الأمانة وحنثه في قسمه عندما حرم الأمة من خيره، وتاجر بعبقريته كما يشاء، فقصر في مجال عمله نهارًا، فلا يحضر إلى القسم إلا زائرًا في لحظات شكلية لا يقدم من خلالها شيئًا من طبه، أو بعضًا من جهده، وإنما يوفر ذلك كله لعيادته الخاصة، التي لا سبيل إليها إلا بإتاوة يحددها، مستغلاً بها حاجة المريض إلى الراحة وتعلقه بالحياة، مما يدفع المسكين إلى بيع أكل أولاده، وضرورات بيته، أملاً في لحظة راحة من ألم، أو شفاء من مرض، ولو أن كل طبيب أدى الواجب الذي هو عليه قبل أن يأخذ الحق الذي له، فأنفق وقته وأخلص جهده، في مجال عمله لوجد كل مريض حظه من الطب، ولاستفاد كل مواطن من الضريبة التي يدفعها من قوته وراتبه؛ لكي تضمن له حقه في حياة آمنة، وعلاج مناسب في المستشفيات التي بنيت بعرقه ودمه، على يد طبيب أنفقت الدولة عليه حتى صار مرموقًا.

 

إن التطفيف عملية إجحاف وانحراف في الفطرة تجعل النفس تميل إلى الأنانية وحب الذات، وتنسى ما وراء ذلك من حقوق الآخرين، ومقابل التطفيف خلق الإنصاف والاعتدال والتوازن في أخذ الحق، وإعطاء الواجب، ولا يقوم بذلك وينهض به خير قيام، إلا المنهج الإلهي الذي لا يحابي ولا يجامل، ولا يميل تبعًا للأهواء والشهوات.

 

وأعظم حصانة تحفظ النفس من الوقوع في هوة التطفيف السوداء، هو أن يتذكر المرء وقوفه بين يدي ربه للحساب، ويهيئ نفسه لجواب يخلصه من تبعة الموقف الرهيب، عندما ينادي منادي الحق سبحانه:
(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لا يَتَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)) (الصافات).

 

إن التطفيف ليس مجرد سلوك ظاهر، يقع عارضًا ويختفي، وإنما هو انعكاس لخلل كامن في عقيدة المطفف ووجدانه، ولن يرضى بهذا التطفيف ويمارسه عن قناعة ورضى إلا قلب غافل عن مراقبة الله، محجوب عن نوره، ولو أن هذا المشغول بدنياه المعتز بمتاعها الفاني، تذكر ولو للحظة واحدة أن الله ناظر إليه ومطلع عليه، وسائله عن ميله وإجحافه وظلمه، لرجف قلبه، واهتز كيانه، ولآثر آخرته على دنياه.

 

إن قوانين الأرض مهما عظمت، ومراقبة الناس مهما قويت، لا تستطيع التسلل إلى خفايا النفس، وطوايا الضمير، لترد النفس إلى سويتها، وتغسلها من لوثتها، وتهديها إلى سواء السبيل، لكن ذلك كله يتحقق إذا قرأنا قول الخالق سبحانه:

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)) (المطففين).

فالحمد لله على نعمة الإيمان والقرآن.