هناك إحساس لدى بعض المتربصين بالحركة الإسلامية في مصر وأحزابها أن من يحوز الأغلبية سيكون حزبًا وطنيًّا آخر لأنه لم يعاصر غيره، ورغم أن وراثة الحزب الوطني المنحل هي من اختصاص أبنائه الذين شكلوا أكثر من ثمانية أحزاب جديدة لا خبرة لها إلا ممارسات الحزب البائد ولا أداء لها غير ما كان يفعل الحزب الفاسد المنحل!؛ فإن البعض ممن فشلوا في اكتساب ثقة الناخبين في الانتخابات الأخيرة وبعض فلول الإعلاميين الذين غسلوا أنفسهم في برامج الثورة بالقنوات الخاصة؛ يلحُّون في ترسيخ معنى أن حزب الحرية والعدالة صار كالحزب الوطني البائد، وأن أعضاءه استعلوا على الناس واستغنوا عنهم؛ في محاولةٍ لتشويه صورة الحزب وإدانته قبل أن يبدأ العمل!!.
وهنا الأمر لا يحتاج إلى دفاع مستميت أو تفنيد، بل يحتاج إلى مواجهة وتكذيب؛ لأنه لا يصح إلا الصحيح!، لكن لماذا الآن صار حزب المخلوع سبة وعارًا على من ينتسب إليه أو يدافع عنه؟! لأسباب كثيرة:
- منها أنه كان حزبًا للمصالح وبيزنس رجال الأعمال، فقد كانت عضويته هي كلمة السر كي تفتح مغارة "علي بابا" بكل خيراتها لهم!.
- ومنها أنه لم يكن يحترم إرادة الشعب؛ لذا لم يكن في يوم من الأيام في احتياج إليهم؛ فتم تزوير الانتخابات بشكل دائم وعلى كل المستويات وطبعًا شخصيات المرشحين لا بد أن تكون مناسبةً لقبول التزوير بل والدفاع عنه وللمهمة القادمة التي تجعل منهم أرقامًا فقط لترفع أيديها بالموافقة عندما يطلب منها ذلك!.
- ومنها أن الأموال التي كانت تدفع لخوض الانتخابات كتبرعات للحزب وأصحابه ليست فوق مستوى الشبهات وكذلك كان- بعد النجاح طبعًا- استثمار الفلوس والنفوذ لمزيد من نهب ثروات مصر في مقابل تمرير التشريعات المطلوب إقرارها استكمالاً للديكور الديمقراطي!.
- ومنها كذلك أن أحدًا من هؤلاء النواب المزوِّرين لا يملك تاريخًا مشرّفًا أو مواقف وطنية حاسمة أو آراءً وقفت أمام الفساد والاستبداد والظلم حتى ولو مرة واحدة في حياة أحدهم!!!، كذلك لم يضار أحد من هؤلاء المنتسبين للحزب المنحل في ماله أو عمله أو أحد من أسرته، فكلهم مستمتعون وحريصون على التقرب من فرعون وجنوده!.
- ومنها أن ممارسات الحزب المجرم لم تقدم خيرًا لمصر أو المصريين قط في يوم ما، بل سامهم العذاب وأفسد حياتهم وتسبَّب في مقتلهم بالأمراض أو بالحرق أو الغرق أو حوادث الطرق أو السرطانات أو الاكتئاب أو السكري والضغط والفيروسات الكبدية، بل والأخطر أنه تعمد إفقارهم كي يدوروا في طاحونة أكل العيش الذي لا يكفي ولا يفي بالحد الأدنى من المعيشة الكريمة.
تلك هي أسباب العار الذي يحمله كل من ينتسب إلى حزب المخلوع!! فهل يمكن أن يكون حزب الحرية والعدالة بعد حصوله على أكبر كتلة برلمانية في برلمان الثورة هو وريث الحزب البائد الوطني المنحل؟!
الإجابة طبعًا مستحيل.. لأن حزب الحرية والعدالة جنى أصوات المصريين المتفائلين بوجوده في الساحة السياسية بعد حرمان طويل من المشاركة نتيجة تزوير الانتخابات، وهو بذلك أقوى من حصل على شرعية شعبية في تاريخ المصريين في انتخابات اتسمت بالخروج القوي للمصريين وبالنزاهة والشفافية في ظل إشراف قضائي كامل وتحت مظلة أحكام قضائية واجبة التنفيذ فورًا؛ ما اضطر اللجنة العليا للرضوخ لها وتنفيذها!.
طبعًا مستحيل.. لأن رجال الحرية والعدالة هم رجال الإخوان المسلمين الذين ذاقوا الأمرَّين على أيدي الأنظمة التي حكمت مصر كلها رغم اختلاف توجهاتهم!!، وقد سجنوا ومات منهم من مات تحت وطأة التعذيب والإهمال وقد نهبت أموالهم وسرقت مشروعاتهم وحرموا من حرياتهم، فهل يمكن لمثل هؤلاء أن يحرموا أحدًا من حريته أو يمارسوا فسادًا أو يقلدوا جلاديهم؟!
طبعًا مستحيل.. لأن رجال الحرية والعدالة والإخوان المسلمين قد تربوا على مائدة القرآن والسنة الشريفة وعلموا أن الدين المعاملة، وقد تواصلوا مع الجميع حتى في ظل أشد الضغوط التي كانت تمارس ضدهم لمنعهم من التواصل مع الحياة العامة وفي ظل إصرار شديد على تشويه صورتهم!.
طبعًا مستحيل.. لأن الإخوان شبابًا وشيبةً، رجالاً ونساءً؛ قد خدموا أوطانهم رغم المطاردة والحصار والمراقبة والمنع والحرمان، ولم يستطع النظام البائد أن يمنعهم من خدمة أبناء مصر في كل مكان؛ مما جعل انتخابهم أمرًا طبيعيًّا بعيدًا عن التشبُّه برجال الحزب المجرم المنحل وقد قالها لي أحد المواطنين بكل براءة وبساطة: "خدمتمونا وأنتم أيديكم مكبلة وراء ظهوركم، فماذا ستفعلون وأيديكم حرة طليقة؟!".
طبعًا مستحيل.. لأن أموال الإخوان من جيوبهم، شاء أن يصدق من شاء وأبى من أبى؛ لذلك هم يدركون قيمة المال الذي جاء من جهد وعرق، ويجتهدون في وضعه في محله.
طبعًا مستحيل.. لأن أعضاء حزب الحرية والعدالة وبقية الإخوان يجتمعون على الخير ومصلحة دينهم ووطنهم، وهم قوم عمليون لا يتكلمون كثيرًا، بل يتحركون كثيرًا وسط أبناء شعبهم، ويدركون أن الحق والعدل والمساواة هي أركان في دولة مرجعيتها القرآن والسنة، أي أنهم يتعبدون إلى الله بذلك، فكل مواطن له كامل الحقوق دون تمييز؛ لذا لا يعتبرون أعضاء حزبهم أو حاملي كارنيه حزبهم أسيادًا وغيرهم عبيدًا أو أنهم يتمتعون بوضع ومعاملة خاصة، أو أن على رأسهم ريشة، فكل ذلك مستحيل تصوره، وعلى من يدعي وراثة حزب الحرية والعدالة لأخلاق وسلوك الحزب المنحل المشين أن يراجع نفسه ليرى كيف تكون أغلبية الحق والباطل؟ وكيف تتمايز الشخصيات وينطق التاريخ بالحق ليميز الخبيث من الطيب؟!
الخلاصة:
لقد قامت فكرة الحزب الوطني المنحل على إقصاء الجميع ليبقى هو في الساحة!، واعتمد على مجهود غيره ليبدو عملاقًا؛ فاندمج مع مؤسسات الدولة وهيكلها، وحوَّل مصر إلى دولة بوليسية كي يفرض إرادته بشكل دائم في ظل التزوير الدائم للانتخابات، واستمرأ فرض قانون الطوارئ لتغييب العدالة والقضاء الحر المستقل!.
فهل طالب حزب الحرية والعدالة بإقصاء أحد أو وضع برنامجه على دمج الدولة في الحزب؟، هل طالب الحزب بهيمنة بوليسية أو طرح رؤية تؤيد هذا التعسُّف في مواجهة أبناء مصر؟ اقرءوا برنامجه وتذكروا من كان يهتف للقضاة في ظل أحلك الأوقات أن في مصر قضاة لا يخشون إلا الله؟! أرجو أن يمتنع المفلسون عن ترديد هذه النغمة ويبحثوا عن غيرها فقد نفد رصيدهم!.
صندوق الشكاوى:
- تحذير من الشعب المصري ونوابه لحكومة الجنزوري من استمرار غياب الشرطة التي ما زال رجال العادلي وعدلي في المواقع القيادية بالوزارة يحملون مرارات من الثورة ويحلمون بثورة مضادة تصيب البلاد بفوضى! وإلا لماذا الصمت الأمني حتى الآن؟ ولماذا تعليق الضباط والأمناء مع كل بلاغ للشرطة "خللي الثورة تنفعكم"!!!
- تحذير أخير من إعادة إنتاج الماضي بتولي نفس الشخصيات التي فشلت في الأداء في المحليات وتدويرها في مناصب تحتاج إلى عقلية جديدة كي نشعر جميعًا بتغيير حقيقي.
ورغم أننا نؤمن بالتدرج فإننا حتى الآن لم نضع أقدامنا على الطريق الصحيح والذي يشعرنا على الأقل أننا نسير في اتجاه المستقبل والأمل في غد أكثر إشراقًا إن شاء الله.
--------------
* أستاذ جامعي ونائب بالبرلمان المصري.