غريبة هي تلك الهجمة التي يتعرَّض لها الفنان أشرف عبد الغفور، نقيب المهن التمثيلية؛ بسبب زيارته للدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، يوم 3 يناير الماضي، كان المأمول أن تلقى تلك الزيارة قبولاً وترحيبًا من الوسط الفني، خصوصًا بعد التطمينات التي تلقَّاها النقيب من المرشد حول مستقبل الفن في ظل تصدُّر الإسلاميين للمشهد عقب الانتخابات البرلمانية، لكنَّ الذي حدث هو هجمة عنترية يقودها فنانون ينتمون سياسيًّا للقوى الخاسرة في الانتخابات ذاتها، ويريدون تصفية حساباتهم السياسية عبر معركة فنية مصطنعة.

 

حين قام عبد الغفور بزيارته للمرشد العام بمبادرة من الزميل الصحفي أسامة عبد اللطيف، الناقد الفني بـ"أخبار اليوم"، أراد أن يقطع الشك باليقين، ويواجه الإخوان بشكل مباشر وعبر أعلى مسئول في الجماعة بمخاوف الوسط الفني من هيمنة الإسلاميين على المشهد السياسي وانعكاسات ذلك على المجال الفني، وكان النقيب بذلك مهنيًّا رفيعًا، حريصًا على الوسط الذي يمثله، ومدافعًا عن الفن الذي ينتمي إليه، لقد سلك المسلك الإيجابي، خلافًا لغيره الذين وقفوا يشقُّون الجيوب ويلطمون الخدود، و"يولولون" كما الصبايا؛ بدعوى أن الفن سيتعرض لهجمة شرسة، وأن الإبداع سيتعرَّض للمصادرة والتضييق، وحقيقة الأمر أنهم يدافعون عن عربدتهم، وعن سلوكياتهم الشخصية التي تسيء للفن قبل أن تسيء إلى المجتمع.

 

الفن كالماء والهواء والطعام لأي مجتمع، ولا يمكن تصور مجتمع عصري بدون غناء أو دراما أو مسرح.. إلخ، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هناك غناء، وقد حث الرسول الكريم على الغناء في الأفراح في الواقعة المشهورة في عرس أحد الأنصار، وبالتالي لا يستطيع أحد اليوم أن يحرم المجتمع من الفنون الراقية بأشكالها المختلفة.

 

وإذا كان للإخوان موقف نظري وعملي معتدل من الغناء والموسيقى والتمثيل، فإن هناك أصواتًا سلفية بدأت تنحو إلى الاعتدال، فهذا العلاَّمة الشيخ محمد عبد المقصود أحد المراجع السلفية الكبرى يتحدث عن وجود خلاف بين الفقهاء حول الموسيقى، وطالما وُجد الخلاف فلا يحق لأحد أن يُجبر المجتمع على الأخذ بالموقف المتشدد؛ ففي الحديث أيضًا: "ما خيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا".

 

إذن لن يستطيع أحد أن يمنع الفن، ولكن المطلوب فقط هو احترام قيم المجتمع وعاداته، وعدم الاصطدام معها بأعمال فنية شاذة بدعوى حرية الإبداع والتعبير، فالحرية المسئولة هي الأساس في مجتمع عصري ومحافظ على قيمه في الوقت ذاته، وهذا المطلب ليس مطلبًا سياسيًّا أو دينيًّا، ولكنه ظهر بداية من الوسط الفني عبر المطالبة بسينما نظيفة، تخلو من مناظر التعري والفحش، وقد تصاعد الحديث عن السينما النظيفة مع ظهور سينما المولات "المراكز التجارية الشاملة" حيث تذهب الأسرة للتبضع والتنزه، ومشاهدة أحد العروض السينمائية، وحتى تواكب هذه السينما رغبات الأسر المحافظة، فقد حرصت على تقديم أفلام نظيفة غير خادشة للحياء، وهو اتجاه لاقى قبولاً مجتمعيًّا حقق لأصحابه رواجًا تجاريًّا في الوقت ذاته، ولم يقتصر هذا الاتجاه على بعض المنتجين الذين يريدون مغازلة الأسر المحافظة، لكنه شمل ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو كبار أيضا تحدثوا منذ أكثر من عقد من الزمان عن إمكانية تقديم سينما بلا قبلات ولا مشاهد ساخنة أو خمور مع حفاظها على الحبكة الدرامية والإبهار والإبداع أيضًا.

 

يتحدث بعض الفنانين والنقاد عن خطأ محاكمة الفن والإبداع بمعايير أخلاقية دينية؛ بدعوى أن المعيار لا بد أن يكون فنيًّا فقط، وهؤلاء يتشابهون تمامًا مع نظرائهم في المجال السياسي الذين يفصلون بين الدين والسياسة، وهذا الفصل بين الدين وكلٍّ من السياسة والفن لم يعد أمرًا مقبولاً في المجتمع المصري والمجتمعات العربية والإسلامية التي كشفت ثورات الربيع العربي عن تمسكها بهويتها الإسلامية ورفضها لعمليات التغريب والتخريب الثقافي والقيمي، ولم يعد مقبولاً من الفن أن ينفصل عن المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل له، بل الصحيح أن الفن هو مرآة للمجتمع، وليس تعبيرًا عن أقلية متغربة منبتَّة الصلة عن مجتمعها.

 

مخاوف الفنانين من تصدُّر الإسلاميين للمشهد العام بعضها مشروع نتيجة تصريحات ومواقف متشددة صدرت عن بعض الإسلاميين، وبعضها غير مبرَّر، يروِّج له بعض الفنانين المغتاظين بالأساس من فوز الإسلاميين، وإلى جانب الفنانين الذين قد يكون همهم الأول هو مستقبل الفن وحرية الإبداع هناك آلاف العاملين ومعهم آلاف الأسر التي ترتبط وظيفيًّا بالأنشطة الفنية المختلفة عبر العمل في دور العرض السينمائي والمسرحي والأستوديوهات وشركات الإنتاج الفني.. إلخ، وهؤلاء بالذات ربما لا يكون لديهم مشكلة في الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية مع الحفاظ على وظائفهم وأنشطتهم التي يقتاتون منها.

 

يحتاج المجتمع المصري والعربي إلى فنٍّ جديد يواكب روح ثورات الربيع العربي، فنِّ يحيي روح المشاركة والإيجابية والخدمة العامة ويحترم قيم المجتمع وتقاليده وأعرافه، ويحفز قيم العدالة والحرية والتنمية ويواجه الظلم والتخلف والفساد.. إلخ، ومن المؤكد أن الجماهير العربية التي عبَّرت عن نفسها وعن توجهاتها من خلال الانتخابات النزيهة- سواء في مصر أو تونس أو المغرب- ستتجاوب كثيرًا مع هذه الفنون الراقية، حتى لو ظلت الأعمال الهابطة تستقطب قطاعات أخرى.

 

في حديثه مع نقيب الممثلين أكد المرشد العام الدكتور محمد بديع أن الرهان الأكبر ليس على الرقابة على المصنفات الفنية، ولكنه على ضمير الشعب وضمير الفنانين أنفسهم، ومدى احترامهم لقيم مجتمعهم ولميثاق الشرف الذي وضعوه بأيديهم، وهذا موقف جدير بكل احترام وتقدير.