سأبني الفرضيّةَ الرئيسةَ لهذه المقالة على أهمية النظر إلى شبكة (الجزيرة) باعتبارها قناةً - وإنْ كانت فَضائيّةً- لكنها تبُثُّ من الأرضِ ولا تبثّ من السماء!، فهي ليست وحيًا يوحى، ومندوبوها ليسوا من الملائكة!. ومن ثمّ، فقولها من قول البشر- يؤخذ منه ويردّ،
وكَمْ كُنّا نَتَوَقّع من الذين يُوَجِّهُونَ سهامَ نقدهم الجارحِ ومعاولَ نقضهم الفادِح إلى (الجزيرة): أن يكون نقدًا بنّــاءً- لا نقضًا هدّامًا، وإنّ من أبسط القواعد المنهجية للنقد والانتقاد: أن نقترح البديل المناسب وأن نبني مكان ما نهدم، فلم يكن متوقّعًا أن يُقابَلَ "جميل العمر" الّذي أسدته (الجزيرة) لشعب مصر وكافّةِ الشعوب الحُرَّةِ بهذا القدر من الجحود والنّكران!، وهي التي كانت صوت الشعب الصادحِ في صدى واقِعٍ احتوشته الضباع بالتفافاتها اللئيمة وقوادتها الإعلامية ودجَلِها المكشوف!، وها هي المنبر الذي عَجَزَ كارهوه والمتطيّرون به أن يأتوا بمثله!.
ولعلنا نعترِفُ أو نتفق من حيث المبدأ أنَّ غايةَ ما كنّا نطمح إليه من وراء خروجنا في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير: أن تتغير حكومة أو تتعدّل مادةٌ أو بضعة موادّ في الدستور، تستقيم بعدها مسيرة الأداء السياسي وتتقدم خطوةً إلى الأمام على طريق الانعتاق من نفق الفساد الذي أظلم مصرَ والمنطقة من حولها!، لكننا لا حظنا مَدًّا متناميًا وَتَنادِيًا جماهيريًّا تبلور شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى زخمٍ ثورِيٍّ هائلٍ، ارتفعَ سقف مَطالبه إلى ما عاينّاه وعايشناه جميعًا، فكان أشْبَهَ ما يكون بالحُلم الجميل الذي تحوّل إلى حقيقةٍ بقدرةِ قادرٍ!،
وكان طبيعيًّا أن تهرع وسائل الإعلام إلى تغطية هذا الحدث الفريد، بما يعكسه من أهمية كبرى وتداعياتٍ إقليمية ودولية، قد تتغير معها وجوه الحياةِ في محيطنا العربي والإسلامي بصورةٍ غير مسبوقةٍ في التاريخ، لكنّ أداءَ وسائل الإعلام العربية على أيَّةِ حالٍ لم يكن في المستوى الأخلاقي ولا الحضاري لهذا الحَدَثِ التاريخي الفاصل، إذْ كان مُتفاوتًا بين الضعف وقلة الإنصاف والتعامي والتآمر، باستثناء (الجزيرة) التي تماهت مع مشاعر الجماهير وهمومهم، واتسقت مع روح الحَدَثِ الثوريّ واستغرقت في تفاصيلِهِ بصورةٍ وإنْ كانت فائقَةَ التميّز، لكنّها كانت مثيرة لعديدٍ من علامات الاستفهام.
ولقد تَكَثَّفت هذه الاستفهامات بصورةٍ لم يجد لها البعضُ إجابةً حتى جاء قرارُ حكومة مصر الخفية بإغلاقِ مكتب (الجزيرة مباشر مصر)، وأعقبته مُداهماتٌ بوليسية تحت عنوان "شرطة المُصَنّفاتِ الفنية"، والتي تركت آثارَ حقدٍ وعلامات انتقامِ بغيض غير مُبَرَّر قانونِيًّا ولا أخلاقِيًّا ولا حضارِيًّا، بل جاءت المُداهمات بطريقةٍ تسيء إلى كُلّ مصريٍّ يحمل لـ(الجزيرة) الكثيرَ من العرفان بفضل الإسهامِ في إنتاجِ الحدث الثوري على هذا النحو المتألّق!. ولكنّ قرار الحجب والإغلاق والمداهمات كانت قد تركت بصماتٍ أخرى لتياراتٍ لا تروق لرؤية (الجزيرة)، ولا لذكر (الجزيرة)!.
ويأتي هذه القرارُ ليعكس طريقة الحكومة الخفية في رَدِّ الجميل لِلجزيرة التي انبثّت عبرَ أثيرها روح الثورة، وتبلور في فضائها أمل الخلاص والانعتاق من النّفق المظلم والمستنقع الآسن الذي انتقعنا فيه نصف قرنٍ ونيّفًا. نترقّب بزوغ الأمل في انشقاق فجرٍ جديدٍ، فهدى الله إلينا الجزيرة وهدانا إليها بعد انقطاع سبل النّجاة في بحرٍ متلاطم الأمواج.
وها هي الجزيرة- مرّةً أخرى: تكشف عن واحدةٍ من أهمّ وأخطر الحقائق التي تكمن خلف المشهد المصري، ها هي ترصد الكائنات الأميبية التقليدية والبؤر السرطانية، وتفرز أعداء الثورة وأدعياءها ولصوصها، وفلول الثورة المضادّة من "الحرامية" الذين مردوا على الحرام والإجرام وضيّعوا على أنفسهم فرصة التوبة والتّطهّر ممّا اقترفوه في حقّ الشعب والأمّة من خطايا وآثامٍ، ها هي الجزيرة تكشف عن النّاب الأزرق الذي لم يزل مغروزًا في جسد وعصب هذا الوطن الحبيب!.
ولذلك، فإنّ المرء يبدي كثيرًا من الشّكوك تجاه نوايا أصحاب قرار حجب قناة الجزيرة مباشر مصر أو التّشويش على بثّها، وهي واحدة من أغزر روافد المعرفة ومنافذ الفكر الناضج، ومن أكثرها واقعيّةً في الطّرح واقترابًا من الحقائق، بغضّ النّظر عن مساحات التوافق والاختلاف معها ومع ما تطرحه.
وممّا لا شكّ فيه أنّ قرار إغلاق الجزيرة مصر بإيعاز آلةٍ من آلات التّحريض القانوني التي تعمل في الخفاء خلف ستارٍ لم يرفع بعد، إنّما يكشف عن أنّنا لم نرتق بعد إلى مستوى المسئوليّة الأخلاقيّة، ولم نبلغ بعد سنّ الرّشد الحضاريّ. فليس من الأمانة أن نعبث بمشاعر النّاس ونسعى إلى سرطنة قناعاتهم وضمائرهم، وتشتيت أفكارهم ورؤاهم عن الأدواء والعلل الحقيقيّة الكامنة في دواخلنا وفي قراراتنا ومواقفنا الحقيقيّة.
ويبدو أنّ مَنْ لا يَرُوقهم أداء الجزيرة قد وجدوها فرصةً ذهبيّةً لتصفية ضغائن وأحقادٍ تغلي بها صدورهم تجاه محطّةٍ فضائيّةٍ قد عدّلت- لا أقول قلبت- كلّ الموازين وخسّرت كلّ المقامرين وبوّرت بضاعة المتاجرين بتاريخنا وحضارتنا وحاضرنا ومستقبلنا، وهذا يدعونا إلى التّساؤل حول من له المصلحة في إيقاف بثّ قناة الجزيرة مصر، والتشويش على بثّها بوجهٍ عامٍّ؟!!
الخطايا العشر لقناة الجزيرة:
من المهمِّ أن نضع بين يدي القارئ حَيثيّاتٍ عِدَّةً، وهي مُهِمَّة لتفسير ما يمكن تسميته مجازًا بِـ"الخطايا العشر" لشبكة الجزيرة وموقفها اللافت مِنْ ثورة مصر وشعبها الأبِـيّ، كذلك نضع هذه الحيثيات من أجْلِ الوقوف على خلفيات علاقةِ ما جرى ولم يَزَلْ يجري وسيجرى في بلادِنا:
أولاً: الجزيرة تفترض في مصر أمومة الدّنيا، وهو افتراض نابع من الإيمان بضرورة يقظتها ونهوضها إلى ممارسة مهامّ وصلاحيّات ومسئوليّات القوامة الحضاريّة، وهي مهامّ وصلاحيّات ومسئوليّات أصيلة بطبيعتها- لم يصنعها زعيم أو دعيٌّ أثيم، وإنّما صنعتها الأهلية الحضارية التي بوأتها أُمُومَةَ الأمَمِ، ما استَّحَقَّتْ بِهِ بِرَّ الشعوب المحترمة التي تعرف للناس أقدارَها، من هذه الزاوية فحسب نظرت (الجزيرة) إلى مصر فنهضت بواجب البنوّةِ!.
وإلى الذين يتكلمون بلغة المصالح: أيّة مصلحةٍ للجزيرة أو لدولة قطر حكومةً وشعبًا في مصر؟ بطبيعة الحال ليس ثمّة مطامع لبلدٍ وإن كان متواضعًا في جغرافيّته وتاريخه، ولكنّه تَماهَى مع العظمة والعبقريّة وتجاوَزَ بِعَطائهِ كافّةَ المعايير التقليدية لتقييم الشعوب، فاستأثر باحترام وتقدير كلّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ثانيًا: إنّ شبكة الجزيرة لم تقم بتحريض الصهاينة على التّحرّش بنا بمناسبةٍ وبغير مناسبةٍ، كما أنها لم تصدر أوامر للمعتدين الصهاينة بانتهاك سيادتنا وحرمتنا الحدوديّة وضرب أبنائنا، إنّ الجزيرة لم تقم بصفقة بيع الغاز للصهاينة ضمن سلسلةٍ من الجرائم التي يمكن لنا وصفها من كثرتها بأنّها تندرج ضمن تصنيف الجريمة المنظّمة بحقّ مصر، قناة الجزيرة لم تدخلنا في بيت الطّاعة الأمريكي بهذا القدر غير المسبوق من العمى والضّحالة وقلة الحيلة والعمالة التي جعلتنا نَؤَدِّي خِدماتٍ فوق العادة وفوق كُلِّ طموحٍ لِلمَخْدُومِ.
ثالثًا: الجزيرة لم تسمّم حياتنا السياسية، ولم تضلّل الشّعب وتزيّف إرادته وتضع مصيره بين يدي حفنةٍ من الأغرار والمغامرين من سَفَلِةِ التّجّارِ والمُرابين والنَّخّاسين، الذي مَرْمَغَوا سمعةَ مصر وأهلها في الترابِ!.
رابعًا: الجزيرة لم تخدع الشّعب بما يُسَمّى "اتفاقية السلام"- كواحدةٍ من أعظم الفـِرَى والأكاذيب التي كلّفت مصر من الضّحايا ما فاق تكاليف الحروب التي خضناها مع العدوّ الصهيوني منذ تورّمت المنطقة العربية بسرطانه اللعين!.
وهل الجزيرة التي أوعزت إلى الصهاينة قتل الشعب المصريّ بدمٍ باردٍ من خلال الطابور الخامس الذي يقوده الرئيس المخلوع ووزير زراعته يوسف والي وكتيبة الصهاينة المصريين؟.
وبوسعنا أن نرقب واحدةً من مشرحات المستشفيات المنتشرة في طول مصر وعرضها، لنقف على الآثار الحقيقيةِ للإجرامِ، وعلى هول ما حلّ بنا من المصائب العظام والبلايا الجسام، ومن الأوبئة والعلل القاتلة الكامنة في كُلَى النّاس وأكبادها والتي صُنِعَتْ في عهد التّطبيع والمُطَبِّعِينِ، حتى لقد صار الشّعب أشباحًا تتهاوى من أثـر المبيدات المسرطنة التي استوردها زبانية العهد السابق الذين قادوا حربًا قذرةً ضد شعبنا بالوكالة عن أعدائنا.
خامسًا: الجزيرة لم تدمر أو تحرض على تدمير قطاع الزراعة بطرقٍ وأساليب يَمَّمت مصر شطرَ الانتحار الاقتصادي، فخرجنا من دائرة المنافسة بعدما كنا نتصدّر العالم في إنتاج محصولي القطن والأرزّ، وأصبحنا نستوردُ ما كنا نصدره من المنتجات الزراعية، وتلوثت المنتجات الزراعية بالكيماويات والمواد السامّة فبارت في السوق العالمية، وبات يأنف منها كُلُّ إنسانٍ إلا المواطن المصريّ الذي يأكلها مُرغمًا فتذهب بأمله في الصحة والعافية أدراجَ الرياحِ!، فهل الجزيرة هي التي نشرت الأوبئة والأمراض وتَدَنَّت بمستويات الصحة ورَفَعَت معدلات الوفياتِ والخسائر البشرية؟!.
سادِسًا: هل الجزيرة هي التي صنعت على عينها آلامَ الشعب المِصْرِيّ، وأمعنت في إيلامِهِ وإيجاعِهِ سياسيًّا واقتصادِيًّا واجتماعِيًّا وثقافِيًّا حتى يئس واستيئسِ من الصلاحِ والإصلاحِ؟ وهل مجلسُ إدارةِ الجزيرَةِ هو الذي أشارَ أو أوعَزَ إلى القيادة السياسية المصرية ببيع القطاعِ العام، وتعريض مستقبل الشعب المصري لخطر الفقر في كُلِّ مجالات الحياةِ الفكرية والثقافية والروحية والاجتماعية السياسية والاقتصادية.
سابعًا: هل الجزيرة كانت سببًا في تدهور التعليم بعدما كانت جامعاتُ مصر قبلةً للباحثين وطلبة العلم، وصارت الآن قبلةً للطامعين في الرسائل العلمية بغير جدارةٍ أو اقتدارٍ؟ وهل الجزيرة هي التي أخرجت مصر من قائمة أفضل جامعات عالمية؟!.
ثامنًا: هل الجزيرةُ هي التي دَمَّرَت القوة المعنوية والمادّية للجيش المصري برغم ما يتسوّر الشَّعْبَ من مخاطِرَ وتحديات ومكائدِ ومؤامرات، وجرَّدت الجيش من أيديولوجيته العسكرية فأصبح كُلُّ عدوٍّ لمصر عدوًّا للقيادة السياسية الشمولية المستبدة وحكومتها التي لم تتمتّع يومًا بأيِّ معنى حقيقيٍّ للشرعية الدستورية، ولا الشرعية الشعبية.
تاسعًا: هل الجزيرة هي التي أوحت بالكذب والافتراء والغشّ والخداع والتضليل والإمعان في تغييب وتزييف الوعي الحضاري للشعب المصري حتى انحَطَّتْ هِمّته وانفَتَّ عزمه وخارت قواه وقلّت حيلته فصار مغلوبًا على أمره لا يقدر على شيءٍ؟!.
عاشرًا: هل الجزيرةُ هي التي أسَّست مؤسَّساتٍ كبرى وشركات عملاقة للخيانة الوطنية وتفكيك وحدتها وشقِّ صَفِّها، وأقامت لضرب الأمْنِ القومي العربي، والإضرارِ المُباشِرِ بالقضية الفلسطينية؟ هل الجزيرة هي التي مَرَّرَتْ الغاز لإسرائيل بثمنٍ بخسٍ دراهم معدوداتٍ، وهل الجزيرة هي التي تحوّلت الخريطة الفلسطينية إلى "كانتونات" معزولة فَعاشَ الفلسطينيون بين جُدُرٍ عازلةٍ حتى صاروا لا يتواصلون فيما بينهم إلاّ من وراء حجاب؟!.
الجزيرة لم تبع مصر وأمنها القوميّ لكلّ مقامرٍ خسيسٍ، ولم تُغْرِ بنا الصهاينةَ ولم تُعرّض سمعتنا الحضاريّة للتّبدّد والضّياع، ولم تَضَعْ عفّتنا الإستراتيجية في مظانّ تحرّشات كلّ طامعٍ لئيمٍ!، وهل الجزيرة هي التي أباحت الأبعادِ والمسارات والفضاءات الإستراتيجية لخفافيش التّجسّس التي اخترقت الأمن القوميّ في عصرٍ مُورست فيه الجاسوسيّة في مستوى قياداتٍ سياسيةٍ عليا، فكشفت لأعدائنا ظهورنا وكلّ خفيٍّ من أمرنا!، فقتلت الانتماء والولاء الوطني في نفوس المصريين فظهر فيهم الجواسيس؟! وهل الجزيرة هي التي كانت تشفع لِكُلِّ جاسوسٍ أجنبيّ يظهر في مصر فُيْطَلَق السراحَ، بينما الوطنيون الشرفاء قابعون تحت أقبية السجون والمعتقلات بعشرات الآلاف؟!.
تساؤلاتٌ منطقيـة:
مَنْ أولَى إذًا بالحَجْبِ: الجزيرة أم أولئكَ المُقامرون المتاجرون بالشعبِ في أحْرجِ ظروفِ حياتِهِ ومراحِلِ تاريخه وأشَدِّها حساسيةً؟!.
هؤلاء- بطبيعة الحال- هم أولى بالحجب والإبعاد عن الحياة العامّة بما كانوا يعملون، صيانةً لأمن مصر القوميّ وتأمينًا لجانب المنطقة من جانبِ غدرهم وشرِّهم وَسَيّئ مكرهم وفسادِ نواياهم، حتى كان عصرُهُم شاهدًا عليهم بما ارتكبوه من "الجرائم الاجتماعية في حق مصر والمصريين على مدار ثلاثين عامًا، هي مدة حكم مبارك، وكان أكبر وأهم هذه الجرائم هو: تخلي الدولة في عصره عن دورها الاجتماعي تجاه مواطنيها- وهي الجريمة الأم التي أفرزت العديد من الجرائم الأخرى، والتي تبدأ بالإفقار المتعمّد للشعب والنهب المنظم لثرواته، ولا تنتهي عند حرمانه من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، بعد حرمانه من حقوقه السياسية والقانونية"، وهو ما مَثَّل- على حَدِّ تعبير فرغلي هـارون: "التربة الخصبة التي نمت فيها بذور الغضب المصري، لتثمر في 25 يناير 2011م ثورةً أطاحت بمبارك، وبعد قليلٍ بنظامه"، وها هو ذيلُ الحية لم يزل يلعب فأصاب الجزيرة بالأذى والقذى الذي لم يُثنها ولن يثنيَها- إن شاء الله- عن مواصلة رسالتها!.
مَنْ أولَى بالحَجْبِ والملاحَقَةِ: قناةُ الجزيرةِ أم من أمْعَنوا في تضليلنا ومارسوا مُزايَداتِهم الخسيسة على الإرادَةِ الشعبية- في تمثيليةٍ مفضوحةٍ مِنْ جانِبِ إعلامِ حكومة مصر الخفية للنَّيل من كرامَةِ الشعب وشموخه، معيدًا إنتاج القوادة السياسيّة بأحَطِّ معانيها، مصوّرًا فخامة المشير بـ"بذلةٍ مدنيّةٍ" مُبْتَذَلَةٍ وملفوظةٍ، في مُحاولَةٍ يائسةٍ لتقديمِهِ قائدًا ويسوعًا مُخَلِّصًا للشعب من همومِهِ وآلامِهِ!، ما هذا الدَّجَل السخيف؟!
لن يسمح أيُّ شريفٍ في هذا البلد بنبوَّتِهِ الكاذِبَةِ، أو بتمرير أغراض حكومتِهِ الخفيةِ الخبيثةِ أو وابتلاعِ طُعْمِها أو التغاضي عَمّا ترمي إليه مِن إيصالِ رسائل مِن شأنها الإمعان في افتراضِ غفلةِ الشعب وغبائهِ وعاطفته غير المنضبطة، وإنَّ قيامَ نفس الإعلامِ بنفي أيِّ رغبةٍ للمشير في ترشيح نفسه رئيسًا لمصر في الفترة القادمة لا محلَّ لذكرها في اعتبارنا؛ لأنها لا تعدو كونها تبريرًا أقْبحَ لِخَطيئةٍ قبيحة!.
إلى مَنْ نلتفتُ بالملامَةِ؟ أنلتفت لتصريحات وزير الإعلام المصريّ التي تُبَرِّر إغلاقِ مكتب الجزيرة بحجج واهية عرجاء، ومقولاتٍ مهترئةٍ لا تستحقّ الرّدَّ لتفاهتها وعدم مسئوليّتها، أمْ نلتفت إلى مجلسٍ عسكريٍّ معاقٍ سياسيًّا، ولا يبلغ به مكرُ السّاسةِ إلى ارتْكابِ جريمةٍ في مستوى إغلاق الجزيرة، أم نلتفت بالملامةِ والعتاب إلى رئيس وزراء لا يفطن إلى ملاعيب من حوله؟
إنَّ أيَّةَ محاولة مستقبلاً لاستدراك الأمر لن تلفتنا عن تعقّب تلك الأيادِي الغادرة التي تتحين أيةَ فرصة لاغتيال ثورتنا المباركة بمناوراتها الإعلامية المكشوفة.
والمسألة هنا لا تتعلّق بالنّظر في إمكانيّة البثِّ من على قمرٍ آخر أو نقل البثّ من مصر إلى بلد البثّ الأصليّ، بل إنّ قضيّتنا كمصريين وعرب في تساؤلنا الذي تركنا فيه حائرين: لماذا إيقاف البثّ من مصر بالذَّاتِ؟ ولماذا التّشويش ومحاولة الحجب؟ ولصالح من؟!.
نحن في الحقيقة بحاجةٍ إلى وثيقةٍ توافُقِيَّةٍ من أجْلِ تقنين موقِفٍ جادّ ومسئول، يفرضُ نوعًا من الحماية القانونية والأخلاقِيَّةِ وَالأدبية لِمَنابِرِ الإعلامِ الجادّ بما يحول بينها وبين مساس الأيادي الخفيةِ لها بسوء، هذه الوثيقةُ تكون مشدودةً بميثاقِ شَرَفٍ إعلامِيٍّ مؤسسي وشَعبيّ محترمٍ.
فليس معقولاً أن تحظى وسائل الدجل والتضليل والدعارة السياسية والفكرية المشبوهةِ بالحماية والرعاية، في حين تضحي منابر الفكر الحر الشريف والمهنية المسئولة عرضةً للاجتيال والاغتيال الظالم.
لعل الخطيئة القاتلة لشبكة الجزيرة: أنها تتمثّل الشموخ والطَّلاقَةَ في أزمنة الحصار والانكسار، وتستعصي على الاصطياد في الماء العكر وتتمنّع على محاولات الإغراق في خضمّ طوفانٍ إعلاميٍّ موبوءٍ بقراصنة القيم ومحترفي الدّجل والتّميّع والتّلبيس بوحي إبليس، فرفقًا بأنفسنا ورفقًا بالجزيرة!.
--------------
* كاتب ومهتم بقضايا الفكر الإسلامي- alwishy@gmail.com