إنه لمن الفخر الشديد بالنسبة إليَّ أن يكتب طالب علم مغمور مثلي عن علم الأعلام وأستاذ الأجيال في النحو العربي في عصرنا الحديث، بل إن من زينة الدنيا أن أقول: إني تلميذ للأستاذ الدكتور تمام حسان، الذي لقي ربه في عصر يوم الثلاثاء الموافق 11/10/2011، وقد ولد أستاذي في 27/1/1918م في قرية الكرنك بمحافظة قنا بصعيد مصر، وقد التحق بكلية دار العلوم طالبًا ثم عين معيدًا، ثم ابتعث إلى لندن في عام 1945م لدراسة علم اللغة فنال الماجستير في "لهجة الكرنك دراسة صوتية"، ثم نال الدكتوراه في "لهجة عدن دراسة صوتية"، وكان المشرف عليه في المرحلتين "فيرث" العالم اللغوي الكبير، ثم عاد إلى دار العلوم عام 1952م، وتدرج في العديد من المناصب العلمية والإدارية، وشغل منصب عميد دار العلوم في عام 1972م، كما اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وقد أعير إلى كثير من الدول العربية ونشر فيها فكره النحوي الجديد، منها:

 

الجزائر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، التي عمل بها لمدة ستة عشر عامًا متوالية من 1980- 1996م، كما شغل أيضًا منصب الملحق الثقافي المصري بالسفارة المصرية في نيجيريا، وقد رزق أستاذي بأربعة أولاد، ثلاثة من الإناث وولد واحد، ثلاثة منهم الآن أطباء، والرابعة تعمل في مجال الإعلام المرئي، ولأستاذي الكثير من المؤلفات أشهرها على الإطلاق "اللغة العربية معناها ومبناها" وهذا الكتاب أحدث زلزالاً في الوسط اللغوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذلك لما حواه الكتاب من نظرية نحوية جديدة ومتكاملة، سماها أستاذي "نظرية القرائن النحوية" وقد قامت حولها نقاشات كثيرة جدًّا، لكن يكفي أن أقول- وأنا زعيم بما أقوله-: إن هذا الكتاب قد استخرجت منه عناوين لما لا يقل عن ستين رسالة ماجستير ودكتوراه في كلية دار العلوم وحدها، ومن أراد أن يتحقق فليقرأ الكتاب ثم يقرأ دليل الرسائل العلمية المجازة لكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ومن مؤلفات أستاذي أيضًا كتاب "اللغة العربية بين المعيارية والوصفية" وهو أيضا كتاب أثار جدلاً واسعًا في الوسط اللغوي- وهذا الكتاب الأخير سابق على الأول في الصدور- ومن الكتب المشهورة لأستاذي أيضًا "البيان في روائع القرآن" وهو جزءان في مجلد، وأذكر أن الدكتور محمد الزغبي رحمه الله- أحد أشهر أساتذة كلية الآداب بجامعة عين شمس- قال عن هذا الكتاب في مناقشة إحدى الرسائل العلمية بدار العلوم: "عندما قرأت أول ثلاثين ورقة من كتاب البيان قلت: "هذا الكتاب يكفي العربية لمدة قرن من الزمان" وإن أنس فلا أنسى كتاب أستاذي "الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب" فهو أيضًا عمدة في دراسة أصول اللغة من وجهة نظر اللسانين العرب المحدثين، ولأستاذي مؤلفات أخرى كثيرة في علم العربية غير ما سبق، كما لأستاذي أيضًا كتب قام بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية وهي:

 

* مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب.

* الفكر العربي ومكانته في التاريخ.

* اللغة في المجتمع.

* أثر العلم في المجتمع.

* النص والخطاب والإجراء.

 

وجدير بالذكر أن أستاذي قد نال- مناصفة- جائزة الملك فيصل في اللغة العربية عام 2006م.

 

كانت هذه نبذة عن نشأة أستاذي، وبعض مؤلفاته، أما عن علاقتي الشخصية بأستاذي، فقد عرفت أستاذي معرفة شخصية في نهاية عام 1996م، وعمره حينئذٍ ثمانون عامًا، وذلك عندما كنت في السنة التمهيدية للماجستير في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وحينها فقط أدركت شيئًا يسيرًا عن المكانة العلمية للرجل، وكم كنت أجلس مشدوهًا من إجابات الرجل على كل سؤال يطرح من أنبه الطلبة الجالسين أمامه في المحاضرة، ثم مرت نحو خمس سنوات أنهيت خلالها السنة التمهيدية للماجستير وحصلت على الماجستير، على يدي أحد أعلام الكلية وهو الدكتور محمد عبد المجيد الطويل، ثم شاءت الأقدار أن يسافر الدكتور الطويل، إلى خارج مصر لأبحث عن مشرف غيره لأدرس على يديه مرحلة الدكتوراه، فكان هو الأستاذ الدكتور تمام حسان، وإنما تم ذلك بعد محاولات كثيرة مني ومن الدكتور الطويل مع أستاذي تمام حسان، وقد حاول الرجل كثيرًا الاعتذار عن عدم الإشراف نظرًا لتقدم السن به، لكن مع إلحاحي عليه قبل أن يكون مشرفًا، واقترح علي موضوع الدكتوراه على غير العادة مع أساتذة الكلية، وأذكر هنا أني سألت الدكتور شعبان صلاح- وهو من هو منزلة في دار العلوم- عن موضوع يصلح لدراسة الدكتوراه، فقال: عليك بالدكتور تمام، فهو الشجرة الأصل، ونحن ورق في هذه الشجرة، وقد سقط الورق ولكن الشجرة باقية وما زالت تثمر، وبعد الموافقة على الموضوع من الكلية- عام 2001م- ظللت أتصل بأستاذي كلما لاح لي سؤال في موضوع البحث، وفي الحق أن أستاذي- وهذا أمر لا يفعله من هو أقل منه سنًّا بكثير- ما تضجر أبدًا من أي اتصال، وما اعتذر لي أبدًا عن لقاء، وما تأخر عن موعده الذي يحدده- ولو لدقيقة واحدة- طوال نحو ثلاث سنوات ونصف إلا مرة واحدة فقط، سها فيها عن الموعد، لكني عندما اتصلت بزوجه- رحمها الله- مستفسرًا عن تأخر أستاذي قالت "هو نائم، هل بينكما موعد؟ قلت: نعم، فعلى الفور أيقظته ورد علي وظل يعتذر، وقال: أنا آتيك فورًا، وعندما أتى اعتذر مرة ثانية، وأنا أكتفي هنا بسرد مواقف قليلة حدثت معي لأدلل كيف أن أدب أستاذي فاق علمه، كما أن علمه فاق أدبه، فلست أدري أيهما غلب الآخر عند أستاذي؟:

 

* قلت له مرة: يا أستاذي أنت متواضع إلى درجة تغيظ، وأنا وزملائي ما زلنا في أول طريق العلم ويفخر بعضنا ويتعالى على الناس بما حصل من علم، فلماذا لا تتكبر؟ فضحك أستاذي وقال: يا أخي من رأى في نفسه ما يتعالى به على الآخرين فهذا حمق منه.

 

* لطالما التقيت أستاذي في "مول المعادي" القريب من منزل أستاذي، ولم يوافق أستاذي أبدًا- ولو بالحيلة- على أن أدفع أنا حساب المشروب الذي كنا نشربه في أثناء اللقاء.

 

* دخلنا مرة محطة "مترو جامعة القاهرة" فأسرعت وقمت بشراء تذكرتين لي ولأستاذي، وعندما قدمت التذكرة لأستاذي، إذا به يرفع صوته علي- على غير عادته- أمام الناس وينهرني لماذا فعلت ذلك؟ وسعر التذكرة كان فقط نصف جنيه مصري، وفي المحطة التالية لنا- التحرير- صمم أستاذي أن يدفع هو ثمن التذكرتين، بل رغب أن يقف هو نفسه في الطابور، لولا أني ألححت عليه حتى لا يتعب.

 

* ركبنا مرة المترو وعندما دخلت ظللت أبحث عمن أتوسم فيه الاستعداد ليقف هو ويجلس أستاذي مكانه- وكان المترو مزدحمًا- وعندما طلبت من أحد الركاب أن يقوم، ويجلس أستاذي غضب مني أستاذي، وقال: لا يصح أن تحرج الناس.

 

* زرت أستاذي في منزله لأول مرة- بعد أن حصلت على الدكتوراه عام 2004م، وكانت لقاءاتنا تتم دائمًا في الكلية أو في مول المعادي- وأخذت معي هدية يسيرة جدًّا، فعندما فتح الباب سلم علي وعندما رأي الهدية فجأة ولا شعوريًّا دخل وأغلق الباب، وأنا خارج الباب وهو يصيح: ما هذا؟ هذا حرام. ووجدت نفسي في موقف ما تعرضت له طوال حياتي، لكني ظللت واقفًا وبعد فترة قصيرة فتح لي الباب وقال: ادخل وخذ حق ضيافتك، واترك الهدية خارج الباب فلن تدخل بيتي، وفعلاً دخلت، وتم اللقاء وأنا في ذهول من هذا النموذج الفذ في عفة اليد في عصرنا هذا.

 

والمواقف كثيرة، ولكني أكتفي بهذا القدر من التدليل على أدب أستاذي وخلقه، وأعد القارئ الكريم بحلقتين متتاليتين لأدلل على شيء من عبقرية أستاذي في اللغة العربية وفهمها، والحلقتان ستكونان عن نوعين من أنواع الربط بين الجمل في اللغة العربية، لم يشر إلى أي من هذين النوعين أحد من علماء العربية قبل أستاذي.

 

----------------

كلية العلوم الإنسانية

جامعة الملك خالد

المملكة العربية السعودية