بالرغم من متوالية التطمينات التي لا تنتهي؛ يلاحظ أن الفنانين الخائفين من الإخوان ويملئون الوسط الفني رعبًا وخوفًا؛ عددهم قليل جدًّا بالقياس لفناني هذا الوطن الكبير وما يزخر به من أسماء فنية وإبداعية لامعة على جميع المستويات، كما يلاحظ أن الذين طلبوا ضمانات من الإخوان أكثرهم عاطلون عن الإبداع أو عاطلون عن الإبداع الجيد الذي لا يصدم المجتمع في ذوقه وثقافته، وأخلاقه وحتى وطنيته!.

 

والفنان الصادق مع نفسه هو مَن يسعى لقطع الشك باليقين فيما يثور من هواجس وتخوفات من وضع القيود على الإبداع، تمامًا كما فعل الفنان الكبير أشرف عبد الغفور حين بادر بزيارة فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، وتأكَّد بنفسه من أن المبدعين الإخوان شركاء المبدعين المصريين في شتى المجالات.

 

وبالرغم من هذه الزيارة التي كان من الواجب التعامل معها كنقطة انطلاق لآفاق أرحب، قام بعض الفنانين بتسييس الزيارة، وشن حملة على نقيب الممثلين وانطلقت مدافع الكلام؛ دون بينة ودون نقاش جاد؛ بالرغم من أن الفنان أشرف عبد الغفور زار المقطم ولم يزر تل أبيب!.

 

إن هذه الحملة وهذا التخوف الجنوني هو في الواقع خوفان وليس خوفًا واحدًا! الخوف الأول من الجمهور، الذي سيحاسب هؤلاء الفنانين حسابًا عسيرًا على فنهم الرديء بالتحول عن منتجاتهم، ولذلك هم يحاربون هذا الجمهور- الذي سيتفلت منهم قريبًا- في شخص الإسلاميين!

 

الخوف الثاني، هو الخوف من الحرية التي ستجعلهم على قدم المساواة وفي مواجهة مبدعين جدد- إخوان وغير إخوان- يحملون طزاجة الإبداع وعبقريته وتفرده، وليس الدندنة على الشهوات والحسيات، وإنما التحليق في آفاق الروح الإنسانية الملهمة.

 

إن الذين ثاروا لم تكن ثورتهم للمطالبة بتحرير الإبداع؛ وإنما خوفًا وهلعًا من تحريره؛ لأنهم يدركون أن حرية الإبداع حين تتجلى على النحو الدقيق ويتمكن غيرهم من الفنانين في هذا الوطن من الوصول لأجهزة الثقافة والفن بوصفهم مصريين كاملي المصرية ستظهر المفارقة المذهلة، وهي أن الفن الجديد سيكون صدًى للمجتمع المصري، وسيكون شبيهًا بهذا الوطن، الذي لا يعرف أدب الفراش ولا فن الفراش، بل ولا يحبه أصلاً؛ فالشخصية المصرية سوية، تشبعها دفقة الرومانسية العذبة واللحظة الإنسانية الخالية من الإسفاف سواء أتى ذلك عبر نص إبداعي أو فيلم سينمائي أو عرض مسرحي!

 

ومع هذا، فالفنانون الخائفون لديهم الآن فرصة كبيرة أدعوهم لاغتنامها قبل فوات الآوان؛ وهي أنهم أصحاب سبق وأصحاب حضور إعلامي كبير عند الجمهور، وأنهم إذا بادروا بمصالحة الجمهور وقدموا أعمالاً ذات قيمة حقيقية، فسيرفعهم ويعتز بهم، وسينقلب الرفض إلى ترحيب كبير وإقبال لن يحققه الشركاء الجدد!

 

أما إذا أصروا على مواقفهم فإن تعنتهم في مساحات العري والخمر والفن الحسي المحض سيخصم من رصيدهم بلا شك، وستكون هذه هديتهم للمنافسين الجدد الذين يعبرون عن المجتمع المصري، ويغنون له بالتوازي مع أشواقه ولا يصادمونه في عُقر بيته وهو جالس بين أولاده بالمشاهد التي يخجل منها فيضطر لإغلاق التلفزيون أو أن يدير ظهره حتى تمر سحابة (الابتذال) المزعجة التي حصر الفنانون الخائفون أنفسهم فيها.

 

ولو صدق هؤلاء الفنانون مع أنفسهم لاغتنموا نعمة الله عليهم، بالتواصل الحي مع الجماهير عبر الإنترنت الذي يمثل صدًى حيًّا تلقائيًّا وعفويًّا لما ينتجون، ولو استمعوا لتعليقات جماهيرهم الغفيرة على ما ينتجون أو ما يقولون وحملوا هذه الآراء على محمل الجد، لاستفادوا كثيرًا، وعرفوا أنها تعبر عن أشواق جماهير تحبهم وتصرخ فيهم: "استيقموا وأبدعوا"!

 

لكن الكثير منهم آمن بالقاعدة الذهبية التي أنتجها مبدع فاشل منذ زمن بعيد، والتي ترى أن الإبداع هو كسر المألوف- لمجرد الكسر- وخروج المبدع على مجتمعه ومصادمته، وهذه ليست قاعدة ذهبية ولا يحزنون، وإنما محض إفلاس وقلة حيلة، وخيبة كبيرة أمام المجتمع، فضلاً عن أن بعض هؤلاء الفنانين تربوا على ثقافة الصوت الواحد الذي يقول الحرية لي أنا وحدي!

 

لهذا أقول لأصدقائنا الفنانين الخائفين: الحرية اليوم لكل المصريين، ولا فرق بين فنان وفنان إلا بالإبداع المحلق الذي يغني لمصر وللمصريين، نيلاً، وشعبًا، وتاريخًا.

 

وأقول لهم لا تترددوا في دخول مضمار الحرية الواسع، فالفنان الحقيقي هو الذي يغامر ويفتح لمجتمعه آفاقًا جديدةً لا تتنافر مع ذوقه ووجدانه، إنما تقع منه موقع الصدى من الصوت.

 

أيها الخائفون فرصتكم أوسع، إذا وعيتم الدرس؛ لأننا دخلنا عالمًا ومناخًا ينطلق فيه هواء الحرية الطازج من كل اتجاه؛ يُغرِّد في كل جنبات الوطن، ومع هذه الحرية فالمؤكد أن كل الأفكار السامة ستنزوي بل وتموت من غير شك!

-------------------

aliali404@gmail.com