لقد منَّ الله عليَّ بنعمة حب القراءة، ولكنها للأسف نعمة منقوصة ومعيبة؛ فأنا عندي قصر نفس وفتور في الهمة، ولا أكاد أبدأ عملاً إلا وتصيبني السآمة والملل، وسرعان ما أقوِّض المشاريع قبل إنجازها وأنهي الأعمال قبل إتمامها، وهي آفة أسال الله ألا تكون في الدين حتى لا أخسر الدارين.

 

مثلاً وأنا في السنة الثانية الإعدادية كنت أعكف في مكتبة حلوان العامة (بجوار الحديقة اليابانية) أقرأ بنهم وشغف، حتى إذا آذنت المكتبة بالإغلاق استعرت كتابًا لأقضي به الليل ساهرًا وأجهز عليه لأعيده في الصباح وأمينة المكتبة تسألني: يا بني هل تقرأ الكتاب فعلاً أم تكتفي بمطالعة الصور والعناوين فحسب؟!

 

ولأن آلاف الكتب كانت من حولي لمختلف الكتَّاب والأدباء والمؤرِّخين وقد كتبت في أوقات وأزمنة متفاوتة فقد راودتني فكرة أن أؤلف كتابًا أرجو لمن عنده طول النفس وسعة الصدر أن ينفِّذه، وكان مشروع هذا الكتاب والذي تخيلت أن يكون عنوانه: (بدون تعليق)؛ حيث أرصد فيه ما كتبه البعض في مراحل مختلفة من أعمارهم، وأن أجمع ما سطَّروه من تناقض وكيف كانت آراؤهم تختلف من زمن لآخر ولو كنت أتممت هذه الفكرة لرأى الناس العجب العجاب.

 

ستجد طه حسين وهو يسطِّر آيات الشكر والعرفان في الملك فاروق، ثم كيف وصمه بكل نقيصة بعد ذلك، وكيف كان أول من أطلق على حركة الجيش المباركة- كما كانت تسمَّى حينئذٍ- لفظ "الثورة"، والحقيقة أنها كانت مجرد انقلاب عسكري، ولكن عميد الأدب أعطاها الشرعية بقوله "هو انقلاب أيَّده الشعب فتحوَّل لثورة.."!!، وما أشقى الأمم عندما يتحول مثقَّفوها وفنَّانوها إلى عرَّابي النظام الجائر وأبواقه!!.

 

وقس على هذا العقاد صاحب قصيدة الفاروق، والذي دبج فيها مدحًا للملك الصالح والفتى الواعد "فاروق"، ثم انقلب عليه وعلى عصره بعد انقلاب يوليو، حتى الصحفي المشهور مصطفى أمين، مؤسس "أخبار اليوم"، مع أخيه علي، والذي يعرفه الناس عدوًّا لدودًا لجمال عبد الناصر.. "بعد قضائه تسع سنوات بالسجن لاتهامه بالتجسس" كان مصطفى أمين أول من دبج مقالات المديح والتقريظ للبطل الهمام "عبد الناصر"، وأنه المفجِّر الحقيقي للثورة وأول رئيس لمصر بعد أحمس، "وطبعًا الناس مسحت تاريخ محمد نجيب من الذاكرة".

 

ولأني كسول جدًّا فقد بقيت فكرة الكتاب مجرد خاطرة تمر بذهني من حين لآخر، وربما نشَّطها ذات يوم التجربة اللطيفة التي قامت بها الكاتبة الوطنية العاشقة لمصر ولأم كلثوم "نعمات أحمد فؤاد"، وكانت لها صولات وجولات مع النظام البائد في عهدي السادات ومبارك، وهي صاحبة التحقيقات الجريئة حول مشروع "هضبة الأهرام" وتصدَّت ببسالة ساعتها لمحاولات بيع تاريخ مصر للخواجات.

 

لقد قامت نعمات أحمد فؤاد بتأليف كتاب تنتقد فيه عهد السادات، وفي أحد فصوله رصدت كيف تكون الأكاذيب، وكيف يمكن لصاحب السلطة أن يضلل الناس، فوضعت الكاتبة في كتابها جدولاً من جزءين، وقامت بتسجيل السطور والصفحات لكتابين من تأليف السادات نفسه؛ الأول كتبه عام 1958م وعنوانه: "يا ولدي.. هذا عمك جمال"، وينسب فيه للرئيس عبد الناصر كل فضل وجهد وعبقرية، ثم الكتاب الثاني، والذي ألفه عام 1980م، وعنوانه "البحث عن الذات"، وهي سيرته الذاتية، ويقال إن أنيس منصور هو الذي صاغ الكتاب بعد سماعه لذكريات السادات عن نفسه.

 

المهم أن الجدول كان فضيحة بكل المقاييس؛ لما يحمله من تناقض وتضارب واختلاف لنفس الرجل، ولكن في ظرفين مختلفين؛ هنا ينسب لعبد الناصر البطولة والجسارة والثورة، ثم يعود في الكتاب الثاني وينسب كل هذا لنفسه، متهمًا عبد الناصر بكل نقيصة!.

 

ولكن ربما أصبحت فكرة هذا الكتاب من السذاجة الآن بعد هذا التقدم التقني في علوم التواصل والمعرفة، وبعد دخول غول الإنترنت كل بيت ومصلحة، وبعد أن رأينا عالم "اليوتيوب"؛ الذي يرصد التاريخ حيًّا ومتحركًا ونابضًا ويمسك بتلابيب الأحداث، ويحول القصص والأحداث من كلمات تُكتب وتسجَّل إلى واقع حيّ نراه ونلمسه ونعيشه.

 

أصبحت اليوم بلمسة صغيرة تستطيع عرض كل ما قاله فلان هنا وهناك، وكيف تحول من موقف لآخر، وكيف هاجم هذا المفكر أو الفنان الثورة وأساء إلى شبابها، ثم أصبح فجأةً من أبنائها والثائرين فيها؟!

 

لقد أصبحت الحقيقة الآن صوتًا وصورةً وحياةً نابضةً، وأصبحنا نرى المتحولين والمتلونين والمتأرجحين  والمذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

 

لقد عشنا عصرًا أصبح يسجِّل كل كبيرة وصغيرة، وذاكرة لا تنسى للمحسن أو المسيء؛ فهل يستشعر الإنسان منا رقابة الله عليه؟ وهل يفهم الناس قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق)؟! لعل هذا يكون من فوائد التقنية الحديثة وعلوم التواصل، ولعل بعض هؤلاء يقدر لقدمه قبل الخطو موضعها، ويدرك أن ذلك الإنسان الضعيف- الذي تمكن من تسجيل الحدث كما كان- لن يعجز خالقه سبحانه أن يحقِّق ما وعده بقوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)) (الجاثية).