* أود أن أنبه في البداية إلى القاعدة المعروفة التي تعلن عنها الصحف عادة في صفحات الرأي من أن الآراء المنشورة تعبِّر عن رأي أصحابها، ولا تعبِّر عن الجهة التي تتبعها الصحيفة، حزبًا كان أو إدارة ما.
حملت المصادر الإعلامية منذ أيام قليلة خبرًا يقول بأن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تكتف بأن تمسك يدها عن أية معونة إلى مصر منذ قيام ثورة يناير، بل إنها تضغط على بعض الدول العربية حتى تفعل الشيء نفسه.
صحيح أنكم سارعتم في اليوم التالي إلى التصريح بأن بلادكم لم تفعل ذلك، لكن تاريخ العلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى، يدفعنا إلى القول بأن شيئًا مثل هذا هو من مظاهر السلوك الأمريكي؛ حيث أصبح "عادة" متأصلة، وسياسة معروفة؛ ما يجعلنا نميل إلى تصديق الخبر، وعدم تصديق تكذيبه.
وعلى أية حال، فإننا، لا نقف واعظين، ناصحين، فعندنا مثل شهير يقول: "أهل مكة أدرى بشعابها"؛ ما يفيد أن أهل كل دولة وإدارتها بالتبعية، هم الأعلم بما يقع في صالحها، لكن هذا لا يمنعنا من الجهر بأحسن ما نتصوره من قول، فندعو المسئولين الأمريكان إلى الاستفادة من تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة وأنكم لستم من أصحاب التاريخ العريق، مما قد يُضعف ميلكم إلى الاستقراء التاريخي، واستخراج الدلالات والعبر منه، حتى لا تقعوا في أخطاء وقعتم فيها في الماضي.
ولا نريد أن نذكركم بخبرتكم الموجعة في فيتنام التي كبدتكم مليارات الدولارات، وأرواحًا أمريكية بالآلاف عزيزة عليكم، نتيجة ما تتجه إليه القوى العظمى من غطرسة تدفعها إلى الهيمنة والاستغلال للآخرين، وإنما نقصر التذكير على مسار العلاقات المصرية الأمريكية، منذ قيام ثورة يوليو 1952م.
فالذي لا شك فيه أنكم لم تقفوا معارضين ولا متآمرين ضد ضباط يوليو، بل آزرتموهم، ولا زلنا نذكر جهود السفير الأمريكي وقتها "كافري"، مما يسر له أن يكون واسطة بين الضباط والملك فاروق في ساعاته الأخيرة.
سارت الأمور على ذلك إلى أن طلبت مصر أسلحة يحتاجها الجيش المصري، فإذا بكم تماطلون، وتسوفون، ثم تصارحون بأنكم تخافون أن يُستخدم ضد الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين العربية الإسلامية، وأن الحلَّ لهذا هو توقيع اتفاق يؤكد علاقة طيبة بين مصر وإسرائيل، وهو الأمر الذي كان لا بد أن يُرفض من الجانب المصري، فأمسكتم عن المساعدة في تسليحنا.
فلما حدث اعتداء مروع من الجيش النازي الصهيوني على القوات المصرية في غزة، في أوائل عام 1955م، مع استمرار رفضكم تسليح مصر، اضطرت القيادة المصرية إلى أن تولي وجهها شطر ما كان يُعرف بالمعسكر الاشتراكي، ومن هنا كانت بداية السير على هذا الطريق الذي أنتج من المصائب والبلايا ما هو معروف.
وزاد الطين بلة أنكم عاقبتم مصر بسحب تمويل مشروع السد العالي، فكان اضطرار مصر أيضًا إلى أن تولي وجهها إلى الاتحاد السوفيتي، فاتحة بذلك الباب واسعًا لخصمكم الكبير ليدخل الشرق الأوسط، ويكون له النفوذ الواسع المؤثر على مصالحكم!!.
فلم يكن الارتماء إذن في أحضان ما كان يُعرف بالمعسكر الاشتراكي إلا فعل المُضطر والمُكره؛ حيث إن البديل كان هو الانصياع إلى الوجود الإسرائيلي ومصادقته، فضلاً عن الانصياع إلى النفوذ الأمريكي.
فلما بدأ "السادات" يقلص النفوذ السوفيتي تدريجيًّا، لتعودوا أنتم إلى مصر، وكانت تلك خطوة كبرى ساهمت في انهيار المنظومة الاشتراكية، ثم تُوج التحول الساداتي بمصر إلى مصادقة "إسرائيل" ومسالمتها، وعادت المساعدات الأمريكية لمصر، لم يشعر المصريون بأنهم قد جنوا فائدة حقيقية تُذكر.
مرَّ أكثر من ثلاثين عامًا على الاتفاق مع "إسرائيل"، ولم يشعر المواطن المصري بأن ما سُمي بالسلام قد أفاض عليه أنهار عسل ولبن كما صوروا الأمر لنا.
بل وصل الأمر إلى حدِّ أن يصبح لقاء رئيس مصر بقادة "إسرائيل" وكأنه "فريضة" لا بد أن تتكرر يومًا بعد آخر، في الوقت الذي وقفت فيه مصر موقف عداء من حكومة فلسطينية اختارها الشعب الفلسطيني وفقًا لتقاليدكم الديمقراطية، لا لشيء إلا لأن هذه الحكومة ذات طابع إسلامي، وتتبنى نهج المقاومة الذي هو السلاح الأساسي لتحرير الوطن الفلسطيني، خاصة وقد لمسوا قدرًا مذهلاً من المراوغة الإسرائيلية، في مفاوضات بدأت منذ عام 1993م، وحتى الآن لم تنتج شيئًا إلا التهام المزيد من الأرض الفلسطينية!!.
ولمس المواطن المصري أن قامة مصر ورأسها العالية بدأت تتصاغر إقليميًّا، ليتقدم عليها بعض من لم يحملوا مقومات الأركان الحقيقية الراسخة للنظام الإقليمي العربي.
ورأى المصريون كيف استخدمتم جيشهم للمحاربة تحت قيادتكم وعَلَمكم، لإخراج الجيش العراقي من الكويت، فإذا بهذه الخطوة تكون مقدمة لاحتلال شرق الوطن العربي كله بجيوش وقواعد أمريكية، بل وينتهي بتدمير العراق، ذلك الجزء الغالي من الوطن العربي.
وتأكد المصريون أن أمريكا الديمقراطية كانت عونًا للديكتاتورية الحاكمة في مصر، وإن حاولت إخفاء ذلك بطلاء خادع من تصريحات كانت تصدر أحيانًا مطالبة النظام بقدر من الديمقراطية.
وعرف المصريون أن قدرًا غير قليل من معوناتكم المالية كانت تعود إليكم أنتم، وفقًا لما وضعتموه من شروط معروفة.
إننا نعلم جيدًا القاعدة التي تؤكد أن السياسات الخارجية للدول، وخاصة الكبيرة تقوم على المصلحة، وهو أمر منطقي، لكن السؤال الذي قد نختلف عليه هو: هل المصلحة الأمريكية في مساندة "الشعب" المصري، الذي لا بد أن يرد بسياسة مماثلة فيحرص على مراعاة ما لا يضركم، أم أن هذه المصلحة تكمن في "ليّ" ذراع المصريين، والضغط على بعض الدول العربية حتى لا تعين "الشقيقة الكبرى"، بل وعدم تنفيذ ما وعدوا به، وبدلاً من ذلك غمر بعض التنظيمات بالمساعدات حتى يسيروا وفق أجنداتكم، والصياح الغريب لكم بتصويركم مراقبة السلطات المصرية لهذه الأنشطة الداخلية الغامضة المرتبطة بقوى خارجية بأنها اعتداء على الديمقراطية، ونسيتم أن هذا تدخل غير مقبول في الشئون الداخلية المصرية؟.
توقيع: مصري يحب الشعب الأمريكي... ويقدر العطاء الحضاري الأمريكي للبشرية... ويشك في سياسات الإدارة الأمريكية تجاه وطنه!!.