في التاريخ وقائع قاطعة الدلالة على أن وصول الشعوب إلى حقيقة يقينية إزاء أمر ما لا يعني بالقطع والضرورة اتخاذ الموقف الملائم حيال الأمر, بل يظل القديم على قديمه، والأمثلة كثيرة, منها- على سبيل المثال- أن ماري أنطوانيت كانت قد اتهمت بتهم شتى؛ من بينها استغلال نفوذها في الحصول على عقد من الماس والأحجار الكريمة دون وجه حق, وقد ثبت باليقين الذي لا يرقى إليه شك أنها لم تكن تعرف شيئًا من الأصل عن العقد، وإنما قام أحد رجال الدين بالنصب على جواهرجي باسمها دون علمها، وبرغم هذا فقد ظلت تلاحَق بفضيحة "العقد" حتى لحظة إعدامها بالمقصلة؛ حيث كان الجمهور يصيح في وجهها، مذكِّرًا إياها بحكاية "العقد", بل إن من العجيب أنه ما إن يذكر اسم تلك السيدة إلى اليوم إلا ويقال عنها إنها لما علمت بعدم وجود الخبز متاحًا للجمهور وأن الناس يجأرون بالشكوى قالت: ولماذا لا يأكلون الحلوى؟ وقد ثبت أيضًا تاريخيًّا أنها لم تقل ذلك وإنما كان آخر عهدها بالدنيا هو كلمة اعتذار لجلاَّدها؛ إذ قالت له: "سامحني" فقد داست قدمه بقدمها وهي توشك أن توضع تحت المقصلة, ولست بالقطع في مقام الدفاع عن ماري أنطوانيت ولا عن غيرها من الطغاة وزوجاتهم، ولكن الحقيقة هي الحقيقة في نهاية الأمر.
ويبدو أن الشعوب مغرمة ببقاء القديم على قدمه مهما ثبت انعدام سنده, ومن ذلك أن الدولة العثمانية انهارت بعد الحرب العالمية الأولى وانمحت من الواقع كما جرى للاتحاد السوفيتي الذي صحا رئيسه جورباتشوف يومًا من نومه فوجد نفسه بلا وظيفة لتفكك الاتحاد, وبرغم زوال الدولة العثمانية من الوجود فقد ظلت مصر ترسل مبلغًا سنويًّا- كما جرى العمل عبر القرون- من ميزانيتها إلى الدولة العلية نحو خمسة وثلاثين عامًا متصلة ولم يقف أحد من معدّي أو مدوني بنود الميزانية ليقول أين هي الدولة العلية من الأساس؟ وكانت تركيا تتلقى المبلغ الهدية صامتة شاكرة, وأبت تمامًا رد ما حصلت عليه!.
وعلى المشهد المصري اليوم منظر مفجع حقًّا ودون مبالغة, وذلك أننا في عجلة من الأمر لتسليم السلطة إلي رئيس مدني, بعد أن علم المجلس العسكري الحاكم علم اليقين ومن واقع الممارسة اليومية أن اللعبة تغيرت قواعدها عن زمن مبارك وأن حلم بقائه في السلطة الذي راوده يومًا يحمل من المخاطر ما يجاوز قدرة الجيش على السيطرة, ورغم حاجتنا الماسّة إلى الوقت نجد إصرارًا غريبًا على بقاء مجلس الشورى بما يستتبع من انتخابات وطعون ومشاجرات وإنفاقات وموازنات وسيارات وسائقين وما لا يحصى من بنود مالية نحن في مسيس الحاجة إليها لألف بند أولى وأهم.
ولعل من المفيد أن أذكر طرفًا من الأمر يتعلق بالمجلس, كنت شاهدًا عليه من بعيد, لنرى جانبًا من الصورة, فقبل نشأة مجلس الشورى كان لي صديق مشترك مع عضو بارز بمجلس الشعب لعدة دورات, وهو ينتمي إلى إحدى العائلات الكبرى بمنطقة غرب الدلتا, وكنت ألتقي بالصديق المشترك على نحو شبه يومي فأسمع منه تفاصيل الحرب الدائرة على الترشيحات لمجلس الشعب وضغوط أنور السادات العاتية على ذلك العضو البارز؛ حتى لا يرشح نفسه أمام صديق مقرب من السادات سبق له العمل معه, وتطورت القصة من الضغوط الهينة إلى الضغوط الخشنة، وتدخل فيها نائبه الرئيس حسني مبارك وقتها للترضية بزيارة عائلية قام بها السادات للعضو السابق وعائلته في معقل العائلة, وذات يوم أسرّ إليّ الصديق المشترك بأن أنور السادات قال للعضو السابق وهو في بيته- إن لديه فائضًا من (أصحاب الخواطر) من المنتمين لكبار العائلات النافذة, وإنه سوف ينشئ مجلسًا يسمى مجلس الشورى وسوف يضمه إليه!.
ولقد أحجم الرجل عن الترشح وأخلى المكان لصديق السادات ونجح الأخير فعلاً, ومرت الأيام وإذا بالسادات ينشئ ما أسماه مجلس الشورى, الذي جاء متسمًا بسمات؛ أهمها انفراد رئيس الدولة بتعيين نسبة كبيرة من أعضائه، وأن المجلس بلا صلاحيات!.
لقد ضم المجلس بالفعل علماء وأناسًا لهم ثقلهم العلمي والأدبي (والمالي أيضًا)، ولكن ضم الكثيرين كان يتم حسب القاعدة التي سنَّها السادات، وهي استيعاب (فوائض الخواطر)، وعلى سبيل المثال فإنني من ملايين يحملون حبًّا وتقديرًا بلا حدود للفنانة العظيمة الراحلة أمينة رزق رحمها الله، ولكن هل بإمكان عاقل أن يقول لي ماذا قدمت؟ وماذا كان يُرجى أن تقدم لمجلس الشورى وقد كانت يومًا ضمن أعضائه المعينين وهي طاعنة في السن؟! وهل من تفسير منطقي غير نظرية "فائض الخواطر" لتعيين صديق زكريا عزمي وكيل العبَّارة التي أغرقت أكثر من ألف مصري، وهو المتهم الهارب ممدوح إسماعيل بالمجلس؟ وماذا أضاف الدكتور مصطفى كمال حلمي للمصريين وهو رئيس المجلس؛ اللهم إلا مبايعة مبارك بما قيل إنه وثيقة مكتوبة بدم الأعضاء, وهو أمر حرَّك في نفسي سوء ما استقر في وعيي عن خطابات الدم تلك, فقد كانت تلك هي المرة الثانية في حياتي التي أسمع فيها عن خطاب مكتوب بالدم, أما المرة الأولى التي عاينتها فقد كانت خطابًا بلون أحمر زعم مرسله أنه الدم وكان موجهًا من فتى لفتاة يدلل به على مكانتها عنده, ولكن بعض الخبثاء من زملاء الفتى لما طالعوا الخطاب شككوا في قيمة الدم على الخطاب، مؤكدين أن الفتى مصاب ببلهاريسيا (باسيليه)، وهو ما سهل عليه الحصول على الدم الذي كتب به خطابه, وأن الدم بالتالي ليس خالصًا, واستقرت الصورة المقززة عن خطابات الدم في وعيي, فلما جاء خطاب مجلس الشورى المكتوب بالدم فقد أهاج ما سكن في وجداني من صورة مثيرة للاشمئزاز!.
وقد يقال إن التعيين في مجلس الشوري يحمل تكريمًا للمعينين, ولست ضد التكريم، ولكن الأجدى والأنفع أن يكون بمنح نيشان أو جائزة ولا يكون بإنشاء مجلس يضم أناسًا بدعوى تكريمهم دون أن يسهموا بشيء في عمل المجلس, ثم إننا في الحقيقة شبعنا تكريمًا على حساب موازنة مرهقة مثقلة، ويكفي جيش المستشارين في كل مصلحة حكومية وما يُدفع لهم من مليارات تكفي لإطعام ملايين الجوعى وعلاج ملايين المرضى!.
ولعل من المحزن حقًّا أن المجلس بلا صلاحيات, وبدون صلاحيات تبدو مناقشاته كمن يقف أمام جمهرة من الناس ينفعل ويتكلم، بينما حجب عنهم الصوت فهم لا يفهمون شيئًا وهو في الحقيقة لا يفعل شيئًا لوجود حلقة مفقودة بين الطرفين, فالمجلس يناقش ويبحث ثم يمعن في النقاش, وينفعل بعض الأعضاء ويصرخ وتقوم مشادات عنيفة ويتدخل رئيس المجلس لفضِّها, وفي كل مرة تزداد دهشة المتابعين؛ لأن كل ذلك عدم ينتهي إلى عدم.
ولعل من المفيد أن نذكر أن أول رئيس للمجلس كان الدكتور صبحي عبد الحكيم، أستاذ السيدة جيهان السادات في كلية الآداب، وآخر رئيس له هو صفوت الشريف، وهو ما يعزز نظرية "فائض الخواطر" التي أنشئ لأجلها المجلس الموقر!!، ولا أعرف في الكون مجلسًا يناقش ثم يناقش ويمنح أعضاءه مالاً وحصانات ثم تكون مهمته بعد المناقشات مجرد إصدار توصية, خاصة أن هناك هيئات استشارية قائمة بالفعل ولا حاجة من الأصل لمناقشات المجلس ولا لصراخ أعضائه!.
أليس الأجدى والأنفع أن يُتخَّذ قرارٌ بإلغاء المجلس مع تعديل دستوري يحذف دوره من مسألة وضع الدستور ومن أي دور له في الحياة العامة؛ باعتبار أن الدساتير والإعلانات الدستورية ليست نصوصًا مقدسة وأنها في النهاية في خدمة الشعوب, وباعتبار أن المجلس ولد غير قابل للحياة من الأصل وأنه آن الأوان للتحرِّي عن وجوه إنفاق المال العام والتحقق من جدوى الإنفاق, أم نسير في طريق يهدر وقتًا ومالاً لمجرد أن هناك نصًّا أو نصوصًا تتحدث عن دور مجلس الشورى، بينما لا أعتقد أن مصريًّا واحدًا يقبل بوجود ذلك المجلس.. هل نفيق ونصوِّب الخطأ أم نترك القديم على قدمه متعللين بالنصوص؟!
في ذاكرتي واقعة قديمة تتصل- منطقيًّا- بالسياق, فقد صمّم ناظر مدرستي الثانوية, رحمه الله, على إلحاقي بالقسم العلمي مع مجموعة من الطلبة ضد رغبتنا واستنادًا إلى درجاتنا في مادة الرياضيات في الصف الأول، بدعوى أنه يعرف مصلحتنا أكثر مما نعرف, وحاولت مع غيري إقناعه بأن ميولنا أدبية, وأنه يكافئ الراسبين في الرياضيات ويعاقبنا نحن، فأبى كل الإباء وكان رجلاً عنيدًا, وظللت في القسم العلمي مؤقتًا حتى تركت المدرسة لمدرسة أخرى في بلد آخر, وكان مدرس الرياضيات في الفصل الذي التحقت به- قبل ترك المدرسة- نابغة ذائع الصيت, حتى كان الطلبة جيلاً وراء جيل يسمونه "فيثاغورث"، ولم نكن نعرف له اسمًا آخر, وكان شيخًا جليلاً وقورًا هادئًا خفيض الصوت, وفي كل حصة كان يٍسأل المجموعة الرافضة للبقاء في القسم العلمي عن موقفها النهائي فنقف ونقول إننا ما زلنا على موقف الرفض، وبالتالي فنحن "ضيوفه" مؤقتًا، فلا نسأل ولا نشارك في مادته التي لا تخصنا؛ لأنها مقررة على القسم العلمي وحده.
وفي أحد الأيام كرَّر علينا- بهدوئه المعتاد- السؤال فكرَّرنا نفس الإجابة, لكنَّ واحدًا منا خرج على إجماعنا وانتصب واقفًا وقال- في نبرة يائسة- إنه سوف يبقى بالقسم العلمي, نافيًا ضمنًا أنه ضمن ضيوفه, فسأله الأستاذ بهدوء وصوت خفيض- كالعادة- عن سبب تغير رأيه, فقال له بالنص والحرف: "خلاص بقى ما دمت استلمت كتب العلمي"، فلم ينفعل الرجل الوقور، بل أمسك بكتب زميلنا وكانت كلها مربوطة بحبل مع بعضها وموضوعة على الدرج أمامه, وراح يحملها إلى أعلى ثم يهوي بها على الدرج، قائلاً: "الحزمة دي هي اللي هاتحدد لك مستقبلك؟؟!!!"، وراح يرددها وهو ذاهل نصف مغمض العينين، لا يبدي انفعالاً، بينما كنا نمسك أنفسنا من الموت ضحكًا احترامًا لمقام الأستاذ "فيثاغورث"!.
فيا يا حضرات رئيس وأعضاء المجلس العسكري, ويا دكتور جنزوري، رئيس مجلس الوزراء. هل من قرار يغلِّب المصلحة الوطنية فننهي مجلس الشورى الذي بلا صلاحيات تبرِّر وجوده, ونعدل النصوص لتكون في خدمة المشروع الوطني أم نظل على نظرية الأستاذ "فيثاغورث"؛ باعتبار أن "النصوص دي هي التي هاتحدد لنا مستقبلنا"!!.