الثورة ما هي إلا هجرة من "حكم الأقلية" بالديكتاتورية والطائفية إلى "حكم الأغلبية وحقوق الأقلية" بالديمقراطية والوطنية؛ ما يعني أن الديمقراطية هي أعمق وأخطر عملية تفاعل إنسانية في العصر الحديث، مصداقًا لقوله سبحانه: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) (الكهف: 99)؛ ولذلك كل ثورة لها أعداؤها المتضررون منها أو المستفيدون من النظام البائد الذين تمكنوا من السيطرة على مراكز القوه المالية والإعلامية والعلاقات الخارجية لقهر العباد ونهب البلاد، ولذلك بدأت أسماء بعضهم تظهر ضمن قوائم المموّلين من السفارة الأمريكية لاستهداف إجهاض الثورة بإعاقة الانتخابات ومعاداة الشعب؛ فالمصريون قاموا بثورة أشاد بها العالم ثم يأتي من يتخيل الالتفاف على مطالبها؛ لأنه يتصور أنه الأقوى؛ لأنه يمتلك الإعلام والتمويل الخارجي، هؤلاء قاموا باختلاق أزمات واحتجاجات تبدو وكأنها امتداد لثورتنا، مثل: إمبابة، ماسبيرو، وثيقة السلمي، محمد محمود، ثم مجلس الوزراء، كلها مطبات إجرامية لم تنجح في إلغاء الانتخابات؛ حيث 40 مليونًا ذهبوا للاقتراع مقابل ألفين أو ثلاثًا شاركوا في الاحتجاجات، ومعظمهم من المأجورين أو المغرر بهم.

 

نحن مع الاحتجاجات؛ بشرط توافق الميدان مع البرلمان الذي يأتي بانتخابات حرة، وضد الاحتجاجات المتعارضة مع بناء نظام مؤسسات بالانتخابات والديمقراطية؛ ولذلك لما انتصر الوعي الشعبي على المطبات قاموا بنشر إشاعات بالتخريب الشامل في ذكرى الثورة ونحن نقول: اطمئنوا لن ينجح أحد في ذلك.. "انتهت المسرحية.. الشعب انتصر بالديمقراطية على البلطجية"؛ لأن المطبات الإجرامية لا تترعرع إلا في الفراغ والقوه الوحيدة القادرة على الحسم هي "الشعب" قامت بالفعل بملء هذا الفراغ، فما حدث بالانتخابات يمثل نقلةً "نوعية تاريخية"، فكثافة الحضور كاسحة بالنسبة للعهد البائد وللمقاييس الدولية؛ ما يؤكد شعبية وسلمية وديمقراطية الثورة في مقابل "بلطجة الأقلية" لعسكر اضطروا لعدم إلغاء الانتخابات وتأمينها بقوه مع تحديد موعد نهائي لتسليم السلطة، ثم الحضور الكثيف للمرأة، وتراجع الفلول وسلطة المال والقبلية وسيطرة العائلات (فزاعات فاشلة)، والاهتمام بانتخابات القائمة أكثر من الفردي، كلها أمور تؤكد الوعي الفكري بعكس ما قيل إننا لا نصلح للديمقراطية.

 

اكتساح تيارات إسلامية لها "شعبية" في مقابل "الفزاعة" وكل التيارات المعادية لهوية الشعب.

 

الانتخابات كسرت القوى الداخلية والخارجية المعادية للإدارة والهوية الشعبية؛ حيث إن "الضربة القاضية" هي كسر الإعلام الذي فشل في تشويه الانتخابات، ما يؤكد أن "الرأي العام" أصبح يتشكل من خلال المجتمع وليس من الإعلام، وهو المحك الأساسي، فما الثورة إلا أن يكون الرأي العام هو الأساس في المعادلة بين المجتمع ونظام الحكم، الأمر الذي يمثل بداية انهيار أهم مقومات الثورة المضادة.

 

- المال والإعلام  ثم الأمن.. لاحظنا تزايد الحملات الأمنية والمرورية وضبط تهريب الأسلحة من الداخل والخارج، فضلاً عن الحملة ضد الجمعيات الممولة من الخارج، والتي تمثل نقلة نوعية في إستراتيجية الأمن القومي لا بد أن يتبعها تحقيقات لحسم المهزلة بسيادة القانون.

 

- وظيفة الأجهزة الأمنية تنطلق من قوة المجتمع في مقابل الحاكم، وخوف البعض من عودة أمن الدولة لنشاطه القديم غير مقلق إستراتيجيًّا لأنه جهاز كان تابعًا في العهد البائد لمنظومة تحالف "السلطة والثروة" المتمثل في عدة أشخاص "مطبخ السلطة"، هذا التحالف كان أقوى من المجتمع الأمر الذي انعكس تمامًا بعد الثورة، فضلاً عن أن معظم هؤلاء المتحالفين موجودين الآن في السجون.

 

- واطمئنوا يستحيل أن ينشأ تحالف آثم مماثل لسبب بسيط وعميق هو أن "الشعب استيقظ"، ولا يمنع ذلك من ضرورة السيطرة على كبار النزلاء بفندق "سجن طره" وتفريقهم بين زنازين مختلفة ومنعهم من الاتصال التليفوني بالعالم خارج السجون الذي بدأ يتطهر من مطباتهم الإجرامية.

------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com