زوجة حزينة- مصر:

تزوجته بتزكية الجميع، فهو جاري وصديق أخي، حاصل على بكالوريوس الفنون التطبيقية، حاز جمال الخلقة والخلق، أما أهله فهم خيرة الناس، ذو أصول ريفية.. منذ وعيت على الدنيا أرى الناس جميعًا يثنون عليهم الخير ويعتبرونهم مثال التدين والاحترام.

 

وقد مرت عليَّ فترة الخطبة مع زوجي هذا والتي دامت سنتين اثنتين كأنها لحظة، أو كأني كنتُ في الجنة، فزوجي عطوف ودود خدوم.. حلو اللسان، يقصده القريب والبعيد، وله من الصدقات والمعارف ومَن يتطوعون لخدمته الكثير والكثير.

 

أنا محظوظة إذًا بهذا الزوج هكذا يؤكد كل مَن يعرفني، ولم لا وأنا زوجة المهندس فلان الذي تناديه المرأة في الشارع ليصلح لها "لمبة مدخل البيت"، ويناديه الطفل الصغير ليفتح له باب سيارته كي يلهو داخلها، ويوسطه الرجل للإصلاح بينه وبين زوجته؟!.. غير أن هؤلاء جميعًا لا يعرفون أني أعاني مع هذا الشخص دمث الأخلاق معاناةً كبيرة!.

 

إنه رغم قلبه الكبير وإنسانيته الواضحة للعيان غير قادر على مواجهة الأزمات، حساس لأي نصح أو توجيه من جانبي، ومع كل مشكلة ولو بسيطة يصيبه الهم، ويحل عليه الكسل والهزال، فيهمل حلاقة ذقنه ويسود وجهه، وينام كثيرًا مفتقدًا طعم الحياة، وربما نسي صلاته أو تكاسل عنها، وهو غالبًا لا يخرج من البيت، ويقضي معظم وقته صامتًا واضعًا يده على رأسه كمَن ينتظر الموت!.

 

وبما أن الحياة الآن ملأى بالمشكلات والمواقف الصعبة، فنحن كل أسبوع- أو يزيد قليلاً- على موعد مع مجيء الحالة التي يترتب عليها إغلاق المحل الذي يملكه، والذي نعتمد عليه في معاشنا.. فتراه كمَن فقد الذاكرة أو كمن وضعت أعصابه في الثلج، فلا يشغل نفسه بمصاريف البيت أو احتياجات طفلينا الاثنين، وإنما تراه جالسًا مكتئبًا عبوسًا كطفل مدلل ينتظر أن يقوم والده- نيابةً عنه بحلِّ مشكلاته وتلبية طلباته واسترضائه للخروج من عزلته.. وأنا لا أستطيع أن أقوم بهذا الدور الممل ولئن فعلته مرةً فلن أستطيع القيام به كل مرة.

 

لقد صار هذا الوضع مثار خلافات دائمة معه، خصوصًا مع كبر الولدين وحاجتي إلى مَن يعينني على تربيتهما.. وأخيرًا مع كل خلاف صار يهرب، وكل ما يفعله أنه يتصل بأحد إخوته يستنجد به لحلِّ هذه المشكلة أو تلك، وإخوته من جانبهم ألغوا هذا الوضع، ويتعاملون معه على اعتبار أن هذه إمكاناته، فهم لذلك يعطفون عليه ويعتبرون ذلك واجبًا عليهم.. وهذا أمر يؤذيني إذ أشعر بأنني أعيش على صدقات الآخرين رغم وجود زوجي الذي كنت أود أن تكون يده هي العليا، فيكون مؤديًّا لدوره في الإنفاق عليَّ وعلى أولادي وبيتي.

 

إن زوجي- كما قلت- صورته عند الناس مضيئة للغاية، فإذا حاولت مجرد محاولة أن أشكوه فلن يصدقني أحد، بل سأكون أنا المتهمة؛ ولذا فأنا في حيرة أمام هذه المشكلة التي أميل إلى توصيفها بأنها مرض نفسي مصاب به زوجي، خصوصًا أنه في مواقف معينة يبدو جبانًا بصورة ملحوظة، وبالذات عندما يشاهد مشاجرة أو عندما يستوقفه أحد رجال الشرطة فهو في مثل هذه المواقف يبدو كالمذعور أو كمَن سيغرق من فوره، وللأسف فإنني في مثل هذه المواقف أقوم بمعالجته متفاديةً إحراجه أو أقوم أنا بمواجهة الموقف وإبعاده عنه.

 

لقد فكرتُ في دفعه للحصول على دورات لتنمية الذات أو في إدارة الأزمات كما نصحتني إحدى صديقاتي، فهل ستحل هذه الدورات (العقد) أم أرضى بهذا الواقع وهذا الزوج "المنفصم"؟، أم ماذا أفعل؟!.

 

يجيب عنها: عامر الشماخ الكاتب الصحفي والاستشاري في (إخوان أون لاين):

الأخت الفاضلة: حالة هذا الزوج موجودة في المجتمع وليست نادرة الحدوث كما تتصورين، وهي حالة- بالفعل- عجيبة، إذ رغم ما يتمتع به صاحبها من إقامة علاقات عديدة مع من حوله و"الاستحواذ" على حبهم، إلا أنه سريع التأثر بالإحباط وما يطرأ من مواقف وأحداث.

 

وإذا كانت تلك الشخصية تبدو متناقضةً إلا أن تاريخها يزيل هذا التناقض.. إذ هي في حقيقتها شخصية لم تعتد تحمُّل المسئوليات، وقد اعتمد منذ الصغر على الدعم الوالدي، وهي- في الوقت ذاته- شخصية مرحة، منطلقة، ولديها الوقت والمواهب الذاتية للتواصل مع الآخرين ومعاونتهم، وقد يكون ذلك لكسب مكانة اجتماعية والظهور بمظهر يبهج ذواتهم.

 

أما عندما تتعرض تلك الشخصية لمسئوليات حقيقية ودائمة، فإنها سرعان ما تنزوي، بل وتنهار؛ لأن هذا ليس في استطاعتها.

 

ولذا فإن هذه الشخصية عندما تقرر الزواج مثلاً، تميل إلى شريكٍ فاعل، لدية القدرة على حمل الأعباء واتخاذ القرار.. أما هو فيظل يمارس دوره "الدعائي"؛ في القيام بمهام بسيطة تتوافق مع قدراته المتمثلة في: التفاعل مع الآخرين، كثرة الحركة، الاتصال المجتمعي.

 

وأظن أن إخوته هم أكثر مَن عاشروه واختلطوا به قد شخصوا لك الحال، فابدئي أنت من حيث انتهوا هم، بالتعايش معه على قدر إمكانياته تلك.. مع التشجيع الدائم له، والبعد عن تثبيطه وتجريحه، وأن توكلي إليه المهام التي يحبها ويبدو معها منطلقًا راغبًا في إتمامها على أكمل وجه.

 

وإذا كان قد بدأ في الاعتماد على الآخرين ماديًّا، فيجب عليكٍ التقليل من جرعة النكد التي تسممينه بها.. ثم اجلسي معه وناقشا قضاياكما، وهو- في الغالب- شخص مطيع ومريح، صحيح أنه لا ينفذ سوى نسبة قليلة مما تمَّ الاتفاق عليه، إلا أنه بالتشجيع وتدعيم ثقته بنفسه وبسط الوجه معه، وعدم الشكوى للآخرين منه، تستطيعين الحصول على نتائج مرضية إن شاء الله.

 

وننصحك بما يلي:

- تنفيره من حالة العجز واليأس التي تعتريه، وتنبيهه إلى مخالفتها لعقيدتنا، وأن المسلم لا ينبغي له اليأس والقنوط أو العجز والكسل.

 

- الحديث عن دورات في التنمية البشرية وإدارة الأزمات، ليس ذا قيمة إذا لم تكن هناك وسائل عملية وواقعية تؤكدها.. تستطيعين أنت القراءة في هذه الموضوعات والتطبيق على زوجك، لأنك أنت أكثر مَن يلمس نقاط الخلل وطرق العلاج.

 

- ربما مرَّ زوجك بحادث عنف وهو صغير ما زال مترسخًا في ذهنه، فتنتابه حالة من القلق والتوتر التي تنتابه عندما يرى مشاجرةً أو أحدًا من رجال الشرطة.. هذا أمر لا يقلل منه كزوجٍ يُرجى خيره إن شاء الله.