كان وقوف الشباب الإسلامي (إخوان، سلفيين، أزهريين) أمام الكنائس ليلة رأس السنة لحمايتها منظرًا رائعًا، أعاد جزءًا مهمًّا من روح يناير التي تجسَّدت خلال 18 يومًا هي أيام الثورة في ميدان التحرير، وقف فيها المسيحي يحمي المسلم أثناء الصلاة، بل يصب له الماء للوضوء، ووقف المسلم يحمي المسيحي أثناء القداس أيضًا.

 

هذه الوقفة التي تنافس في القيام بها الإسلاميون على مختلف تنويعاتهم هي رسالة قوية لكل من يهمه الأمر في الداخل والخارج؛ أن حماية الأقباط وحماية الكنائس هي مهمة وطنية مصرية وليس مسموحًا لقوى أجنبية أن تستغل هذه الورقة للتدخل من خلالها في الشأن المصري، وهي رسالة لمن يريد ضرب الوحدة الوطنية في الداخل لصالح أجندات حزبية ضيقة، أو حتى لصالح أفهام وتصورات خاطئة، وكذا هي رسالة للإخوة الأقباط أنفسهم لتعديل تصوراتهم الخاطئة عن التيار الإسلامي، والذي تعرض لتشويه ممنهج من نظام مبارك وآلته الإعلامية والثقافية، هذا التشويه الممنهج زرع الخوف في نفوس الأقباط من عموم هذا التيار دون تفرقة بين غث وسمين.

 

بينما كان الشباب الإسلامي يقضون الليل سهرًا على حماية الكنائس، كان ميدان التحرير يشهد ولأول مرة في تاريخ مصر أكبر احتفالية بعيد الميلاد، شارك فيها آلاف المسلمين والمسيحيين، وسط غناء وصلوات وهتافات أيضًا، وقد انضم ميدان التحرير بذلك إلى الميادين العالمية الكبرى التي تحتضن سنويًّا احتفالات عيد الميلاد مثل تايمز سوكير والدومو والميدان الأحـمر.

 

وبينما كان مئات الشباب يحمون الكنائس كان زملاء آخرون لهم يتشاركون مع شباب مسيحي في جولات حوارية جادة حول الهواجس التي امتلأت بها نفوس الأقباط من شركائهم في الوطن، وقد جرت هذه الحوارات بعيدًا عن الأطر الرسمية بين شباب الإخوان والشباب القبطي، وكانت فرصة تاريخية للمصارحة والمكاشفة بكل المخاوف والهواجس لدى كل طرف عن الطرف الآخر.

 

أذكر أن المبادرة الشبابية الأولى جاءت من شباب الإخوان المسلمين في القناطر، وقد تواصلت جلسات الحوار التي شاركتُ في بعضها مع الدكتور عصام العريان، عضو مكتب الإرشاد قبل أن ينتقل إلى الحزب، وتكلَّلت هذه الحوارات النظرية بأعمال مشتركة لخدمة الحي الذي يقيمون فيه، كما أسفرت عن تنظيم دورة رياضية مشتركة؛ أي بلاعبين من شباب الإخوان والأقباط، ثم تكاثرت اللقاءات الحوارية بعد ذلك بين الشباب الإسلامي والمسيحي؛ حيث شهدت قبل عدة أيام لقاءً لمجموعة كبيرة من هؤلاء الشباب في مكتب المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، وقد طرح الشباب المسيحي على الشاطر كل هواجسهم وتخوفاتهم، وأجاب عنها بكل صراحة ووضوح، وقبل ذلك التقى الشباب مع المرشد العام الدكتور محمد بديع.

 

الحورات بين الإخوان والأقباط لم تنقطع حتى خلال حقبة مبارك، فقد شهدت دار الإخوان في التوفيقية أواخر الثمانينيات لقاءات حوارية شارك فيها الدكتور ميلاد حنا والكاتب الصحفي ماجد عطية والمستشار وليم سليمان قلادة، وكيل مجلس الدولة آنذاك وأنطون سيدهم، رئيس تحرير "وطني"، ومثل الإخوان في تلك الحوارات المرشدان الراحلان مصطفى مشهور ومأمون الهضيبي والكاتبان الصحفيان محمد عبد القدوس وحازم غراب.

 

ورغم بعض الشكوك التي زرعها النظام السابق بين الطرفين ظلت العلاقة طيبة بشكل عام بين الإخوان والأقباط، انطلاقًا من الآية الكريمة: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) (الحشر)، وظلت القاعدة الأساسية التي تحكم العلاقة بين الطرفين هي: "لهم مالنا وعليهم ما علينا".

 

 وقد لخص برنامج حزب الحرية والعدالة الموقف من الكنيسة القبطية في بابه الرابع تحت عنوان: "الكنيسة المصرية ركيزة اجتماعية".

 

وأكد البرنامج أن الكنيسة المصريَّة– بمختلف طوائفها- هي إحدى مكوِّنات المجتمع المصري، وقد لعبت عبر تاريخها الطَّويل دورًا في خدمة القضايا الوطنيَّة المصريَّة، وجاء الفتح الإسلامي فساعد الكنيسة القبطيَّة المصريَّة على القيام بدورها الرُّوحي للأقباط في مصر والشرق، ومن هنا فإن للكنيسة المصريَّة دورًا يجب أن تتمسك به وتُمارسه بكل فاعليَّة؛ لتكون كما كانت دائمًا عونًا لجهودِ أبناء الوطن المصري الكبير بمختلف شرائحه للوصول إلى غاية الإصلاح والتَّغيير المنشودَيْن.

 

وشرح الحزب رؤيته للنهوض بدور الكنيسة في النقاط التالية:

 

1- للكنيسة دورٌ مهم في دعمِ القّيم الثَّقافيَّة، عبر قنوات العمل الإعلامي والثَّقافي العام بمختلف أدواته؛ حتى تأخذ الكنائس المصريَّة بقياداتها الروحيَّة والدينيَّة مكانها في مواجهة التَّذويب والغزو الفكري والقيمي الذي تهب رياحه بصفةٍ دائمةٍ على مصر والعالم العربي والإسلامي في هذا الوقت.

 

2- للكنيسة دور في تدعيم قِيَمِ المُشاركة والإيجابيَّة الاجتماعيَّة في عملية تنشئة تتكامل مع أدوار بقية مؤسسات المجتمع.

 

3- على الكنيسة عبءٌ في التَّصدِّي للأزمة الأخلاقيَّة والقيميَّة التي تهدد المجتمع، وذلك بنشر القيم الروحيَّة، وفعل الخير، ونشر الأخلاق الفاضلة، وترسيخ قيمة الوحدة الوطنيَّة، والتَّرابُط بين أبناء الوطن الواحد، وتشجيع القُدْوَة الحَسَنَة، وفي دعم القيم الأسريَّة، ودعم التضامن والتكافل الاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين.

 

4- المُشاركة في دعم الفئات المعوزة اجتماعيًّا كالأيتام والمعاقين والمسنين، والمُشاركة في معالجة مشكلات بعض الشَّرائح الاجتماعيَّة، مثل المرأة والشباب وأطفال الشوارع، والتَّصدِّي في الإطار ذاته إلى متطلبات معالجة الظواهر الاجتماعيَّة السلبيَّة، مثل البطالة والأميَّة والفقر والمرض.