منذ أيام قلائل ودَّعنا عام 2011، هذا العام الذي استرد فيه كل مواطن مصري كرامته وحريته من خلال ثورته المجيدة، واستعدنا فيه القدرة من جديد على امتلاك الإرادة وصنع الحاضر وبناء التاريخ الحضاري لهذا الوطن الغالي، هذا العام الذي نجحنا فيه في إسقاط النظام الفاسد، وإزالة الظلم والاستبداد اللذين عانينا منهما 60 عامًا كاملةً، وفتح الطريق أمام بناء دولة الحرية والكرامة والعدالة.

 

لقد نجحنا جميعًا باعتبارنا مصريين أحرارًا في إزالة صفحة سوداء من تاريخنا الوطني، وسالت دماء الشهداء والجرحى غزيرة ثمنًا لهذا الانتصار التاريخي الرائع، وظهرت بيننا أثناء الثورة مجموعة من القيم الوطنية العليا، التي كشفت جانبًا من العمق الحضاري في سلوك هذا الشعب، منها وحدة الصف والهدف بين المسلمين والمسيحيين، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء، فحرية الوطن الغالي وكرامته ومستقبله، كل ذلك وحَّد الجميع تحت راية واحدة.

 

هذه الروح الوطنية الصادقة التي عشناها معًا في الميدان، هي التي ساعدتنا في اجتياز بعض العقبات والصعوبات والمتاعب، التي ظهرت في طريقنا بعد نجاح "ثورة التحرير" العظيمة، واتفقنا في الاستفتاء الدستوري على "خارطة طريق" لبناء دولتنا الحرة من جديد، تبدأ بإجراء انتخابات برلمانية، يعقبها تشكيل لجنة لوضع دستور جديد، ثم انتخاب رئيس للجمهورية في موعد أقصاه نهاية يونيو القادم؛ أي أننا سوف نستكمل بناء مؤسساتنا الوطنية الحرة في خلال الشهور الستة المقبلة.

 

وشهد عام 2011 قبل أن يغادرنا انطلاق أول انتخابات نيابية حرة تجري في مصر منذ أكثر من نصف قرن، شارك فيها جميع أبناء الشعب المصري في المدن والقرى والكفور والنجوع، ترشيحًا ودعاية وتصويتًا، بكثافة ليس لها مثيل في تاريخه، وبحماسة متوقدة، وشعور وطني متدفق، وإحساس عميق لدى كل فرد بأهمية دوره وجهده في بناء الوطن الغالي من جديد، وجارٍ استكمال المرحلة الثالثة من انتخابات مجلس الشعب، ليبدأ أولى جلساته قبل أن ينتهي يناير الجاري.

 

وكشفت هذه الانتخابات الحرة بوضوح عن مكونات المجتمع المصري الحقيقية، بعيدًا عن تزوير الإرادة وتزييف الوعي وتسلط الأجهزة الأمنية وفساد السلطة، ولا يشك أحد في أن الدور الأهم في نجاح العملية الانتخابية ووصولها إلى بر الأمان، بالإضافة إلى وعي الشعب الكريم، وخروجه المكثف إلى الصناديق، يعود إلى المجلس العسكري وإصراره على تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، بالإضافة إلى ضباط الشرطة الأوفياء وقضاة مصر الشرفاء، وكل جندي مجهول في هذا العمل.

 

وبالطبع لم تكن مصر الأبية وحدها هي الفائزة في عام "الكرامة" العربي، بل رافقتها دول شقيقة أخرى هي تونس وليبيا واليمن، وجارٍ استكمال انتصار الثورة السورية الباسلة في 2012م، كما تأثرت بعض الدول العربية إيجابيًّا بهذه الثورات الشعبية في اتجاه احترام شعوبها، ونزاهة انتخاباتها وشفافية سياساتها، لينتهي عام 2011م أكثر أملاً لكل الشعوب العربية والإسلامية، ولكل الشعوب الحرة في العالم، في حياة أكثر إنسانية وكرامة، وفي حقوق وحريات تليق بالبشر.

 

ومع الأيام الأولى لشروق عام 2012 الذي أراه عام "الأمل"، أتمنى أن نستكمل سريعًا المرحلة الثالثة من انتخابات مجلس الشعب التي بدأت أمس، وأن يبدأ البرلمان ممارسة مهامه، ثم نستكمل انتخابات مجلس الشورى كي تتشكل لجنة إعداد أهم دستور وطني، يحمي الحريات ويدعم الحقوق ويحمي الإنسان المصري من الفقر والمرض والاستبداد والفساد، لانتخاب رئيس الجمهورية لأول مرة في التاريخ؛ حتى نتفرَّغ بعد ذلك للعمل والإنتاج وصولاً إلى الازدهار الاقتصادي بإذن الله.

 

وداعًا عام ثورات الكرامة العربية.. وأهلاً بعام الأمل.

 

--------
*Badrm2003@yahoo.com