هناك واقعة جرت إبان الحرب العالمية الأولى، وصارت تتخذ على مسرح الحياة السياسية الدولية مثلاً يضرب لحالة الخلط والاضطراب، فقد حدث أن مسئولاً إنجليزيًّا رفيع المستوى زار الحجاز للقاء شريف مكة، وكانت الحرب العالمية تدور رحاها بين معسكرين يضم أحدهما ضمن دولة إنجلترا ويضم الآخر ضمن دولة ألمانيا، واصطف حرس الشرف لتحية المسئول الإنجليزي وكان يضم خليطًا غير متجانس من البشر، من المعممين وحاسري الرءوس ولابسي الطرابيش وحفاة الأقدام، ومن يلبسون هلاهيل، ومن يلبسون أحذية، وكبار السن مع صغار السن، ثم كان ختام المشهد هو عزف حرس الشرف موسيقى (ألمانيا فوق الجميع)!.
إن ما يجري على الساحة المصرية بعد قيام الثورة هو في بعض الجوانب بمثابة (مارش) مصري خالص، حيث الصورة مختلطة شديدة الاضطراب عديمة التناسق، فبعض المشاهد تؤكد أن ثورة قامت على ضفاف النيل ولكن بعضها غريب غير منطقي وغير مفهوم، وبعضها يقطع بأن مبارك في إجازة عارضة!.
ولست أتحدث عن تعدد الآراء والاتجاهات، فذلك في ذاته دليل حيوية، ولكني أتحدث عن غياب المنطق والعدل إلى حد بعيد، فأنت في قلب الصورة الظاهر ترى ميدان التحرير نابضًا بالحياة، ولكنك عندما تلقي نظرة على خط سير الأحداث تشعر بمدى اضطراب الصورة العامة، ولأن تناول كل مشاهد الاضطراب يحتاج إلى أكثر مما يحتمله مقال، فإنني أعرض بعض مشاهد شديدة الفجاجة والتنافر، وهاك بعضها.
عندما اشتدت قبضة الأمن في زمن المخلوع وقف الأحرار ولم يبالوا بالثمن، وهو ثمن كان يتدرج من الغضب والوضع ضمن القوائم السوداء ويعلو ليكون اعتقالاً وخرابًا ودمارًا حتى للممتلكات، وربما يصل إلى القتل تحت وطأة التعذيب، وقد شهدت بنفسي كيف تتم الهجمات التتارية على خلق الله لتدمر ما يملكون، فتغلق المنشآت بحجة دعمها للإرهاب ماليًّا، أو تلاحق بالضرائب التي تقصم الظهور، وقد راحت زهرة شباب كثير من الأحرار وراء قضبان السجون ظلمًا وعدوانًا، وتعرض بعض الشرفاء للضرب المبرح والخطف، ويقال- والله أعلم- إن أحد مشاهير المختفين قد مات تحت التعذيب، ودفن واختفى ولم يظهر له أثر كأنه فص ملح وذاب، ناهيك عن ملاحقات الأحرار بالتنصت عن طريق حثالات الجهاز الأمني حتى في غرف نومهم وتعرض البعض لتلفيق صور للنيل من كرامتهم والحط من شأنهم.
في هذا الوقت فضل فصيل هائل سكنى الجحور طلبًا للدفء والأمان، وكمنوا فلم نر لهم أثرًا ولم نسمع من أيهم كلمة حق واحدة، بل راح البعض من سكان الجحور يفتون بإهدار دم المعارضين باعتبارهم خوارج تارة، وباعتبارهم مارقين من أحكام الدين تارة أخرى!! وأنه يحل لولي الأمر شرعًا قتلهم!! وتنفل أحدهم فأهدر دم بعض المعارضين بالاسم، وراح البعض يتحفنا بفتاوى تقنن للقتل والسلب والنهب وسحق الكرامة الإنسانية حين أفتى بعدم جواز الخروج على الحاكم، وإن جلد ظهرك وسلب مالك!!
وقامت الثورة وخرجت من الجحور جيوش زحفت باتجاه الغنائم، وهي في طلبها تستخدم الجنة والنار، والكفر والإيمان، وهي نفس الراية التي رقدت تحتها ثلاثين عامًا؛ طلبًا للأمان وتحاشيًا لغضب ولي الأمر، وتوارت خلف صخب هؤلاء وجلبتهم التي تصم الآذان أسماء ممن حملوا راية النضال الحقيقي في السنين العجاف حتى إننا لم نعد نقرأ لبعض من حملوا أرواحهم على أكفهم سنين طوالاً مناضلين ضد الطغيان.
وهكذا مَهَّد للثورة مَنْ مَهَّد، ودفع الثمن من دفع، ثم في النهاية انقض على الوليمة من انقض، ومن المفارقات أن البعض وجد الجرأة لاتهام الأحرار والشرفاء والمناضلين في ولائهم للمبدأ، وقد قرأت اتهامات لشرفاء كثيرين تنال من دينهم، وقد دهشت لما وجدت قائمة الاتهام بالانتماء إلى الفلول تصل إلى بعض من تعاملت معهم بشكل مباشر في سنوات مناطحة الطاغية، فقد شملت إحدى قوائم الاتهام الأساتذة مجدي عبد اللطيف وأحمد سبيع وحسن القباني، وقد رأيت الأخير- وهو تلميذ الأولين- في كل ساحة شهدتها مناصرًا للأحرار وقضاياهم غير هياب بما هو معرض له من صنوف التنكيل، ويوم حاصرت الشرطة الدكتور عبد الجليل مصطفى والدكتور القزاز في شارع شامبليون وقد تدخلت لإنهاء الموقف, وكنا نزمع مع آخرين التوجه إلى غزة لدعم أهلنا بها، وكان القباني حاضرًا وهو أول من طير الخبر إلى حيث نشر، متبنيًا وجهة النظر المعادية للنظام وبجلاء لا يحتمل لبسًا، وكان معبرًا بصدق عن التيار القضائي المعادي لنظام مبارك، ونشر لعشرات كنت أحدهم انتقادات عنيفة لمبارك ونظامه، ولكن لا ضير مع اختلاط الأوراق أن يدعي من يدعي ما شاء له الخيال أو الهوى، ولا عجب ما دام قد خرج لجني الأرباح من نام واستراح عند الخطر متحينًا لحظة الانقضاض!.
وننتقل إلى مشهد آخر متصل بالمشهد الأول، فلست أفهم ولا أظن غيري يفهم مدى جرأة البعض على الحديث عن الجنة والنار والإيمان والكفر، وكأن الله أنابه في إدخال الجنة من شاء، وإدخال جهنم من شاء، وأعطاه مفاتيح الجنة والنار، وأنابه في الشهادة لهذا بالإيمان وذاك بالكفر، وأعطاه تفويضًا وصكوك براءة وصكوك اتهام، فما إن يَرِد ذكر اسم بعض الذين تعرضوا فعلاً للموت أيام الثورة واللائي تعرضن حتى نقرأ في تعليقات للقراء المتحمسين للدين وحامين حماه أنواعًا من الشتائم وصنوفًا من الألفاظ المسفة المتدينة مع فاصل من الاتهام بالكفر والإلحاد، ناهيك عن بعض الكتاب ممن يخرجون علينا كأن الأرض انشقت عن قوم آتين من عمق عصور التخلف والانحطاط الفكري ليلقوا إلى الناس سخيف القول فيتهمون هذه في عرضها، ويغمزون ذاك في دينه.
وفي يقيني الذي لا يخالطه شك أن كل من نطق بكلمة حق في وجه حاكم جائر هو أنقى وأشرف ألف مرة ممن ناموا كأهل الكهف، فلم نسمع لهم إلا ما يعين الحاكم على ظلمه، ولن أذكر أسماء من جرى اتهامهم بالكفر، ولكني أذكر أن ممن ذكروا مدموغين بالكفر قد تعرضوا لاحتمال الموت سحقًا أيام الثورة ضمن من استشهدوا، بينما كان جيش سكان الجحور والوادي المسحور نائمين تحت أغطيتهم يستدفئون من برد يناير ويحلمون أحلامًا سعيدة، ويطل رموزهم علينا محرمين الخروج على ولي الأمر وإن جلد ظهرك وسلب مالك!.
وقد أفهم أن تقع الشتائم والسخائم باسم سوء الخلق ومن شرار الناس، ولكن ما لا أفهمه هو كيف يكون الدفاع عن الدين أو باسم الدين من خلال الشتائم والألفاظ القبيحة المتدنية والمسارعة إلى اتهام خلق الله بالكفر لمجرد خلاف في الرأي، وحتى من منظور ديني؟! فإن الجرأة الفجة لا تفهم، ولعل من المفيد أن سيدنا عمر بن الخطاب كان يخشى أن يكون ضمن المنافقين، فلم يكن حتى مطمئنًا إلى دينه خلوًا من النفاق، بينما يجترئ على رمي الناس بالكفر من حفلت ملفات أمن الدولة بأسماء بعضهم باعتبارهم من (المتعاون فئة (أ) ومتعاون فئة (ب) ومتعاون فئة (ج))، ولكن يبدو أن العمالة لأمن الدولة والتجسس على خلق الله لا تنافي الإمساك بمفاتيح الجنة والنار، وبعض كبار المكفرين لخلق الله هم عملاء مشاهير لأمن الدولة ولبعضهم أسماء كودية!.
ولأن الدين عند البعض عمل وجهد وتضحية، وعند البعض الآخر باب للرزق، وعند البعض الثالث باب للدجل، فقد رأينا من بعض الفرق ما يندى له الجبين الوطني حقًّا، فقد ظل البعض عقودًا يهددون اليهود بعودة جيش محمد (صلى الله عليه وسلم) في نداء شهير (خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود) ثم مع أول فرصة وجدنا من أبدل المواقف بزاوية كاملة وراح يبدي للصهاينة كل صنوف الود جهرًا وعلنًا، ولا شك أن هناك من المخزون الثقافي ما يسد الحاجة للتبرير ويزيد، بل ربما جعل البعض التقرب إلى اليهود فرض عين على كل مسلم ومسلمة وبابه الواسع لدخول الجنة!.
وخذ مشهدًا آخر، فقبل الثورة كان على قمة أكثر المواقع الإعلامية رجال مبارك وكان بعضهم يتقاضى راتبًا يجاوز المليون جنيه شهريًّا من دم الناس الذين أدمن عبر تاريخه الطويل تضليلهم، بينما تدخل مباني بعض الصحف الحرة فلا تجد كرسيًّا مريحًا يجلس عليه الصحفي في حين يغرق "كدابو الزفة" والمنافقون وعديمو الضمير في بحر من مال الشعب؛ ليواصلوا تزييف وعي الناس، ثم قامت الثورة وظل البعض- وحتى يومنا- يمارس التضليل، وما زال ينعم بعائد النفاق، ولا نعرف في التاريخ ثورة لم تجر أي نوع من التطهير إلا الثورة المصرية التي فجرها الشباب ومات لأجلها، ووقف فيها كل أبناء الوطن، ثم أمسك بقيادتها المجلس العسكري الذي لا يتخذ قرارًا في اتجاه الثورة إلا بضغوط لو مورست على مبارك لاتخذها، وبتكلفة باهظة في الأرواح والممتلكات، وما زال مخزون مبارك ورصيده في الرجال مَعِينيْن لا ينضبان لسد حاجة الوطن في مرحلة حاسمة من تاريخه، فقيادة الثورة لا تجد أفضل من كبار أعوان مبارك لقيادتها، فالبحث عن الرجال يجري عادة في الدفاتر القديمة التي هي- بالقطع- دفاتر مبارك، حتى إن بعض أعضاء لجنة السياسات سيئة الذكر ظل وزيرًا نحو عام وكأن مصر عقمت من الرجال والنساء فلم يعد يصلح للحكم إلا أعضاء لجنة سياسات جمال مبارك، فهل هذا مفهوم وهل هو معقول؟!.
أليس غريبًا أن مبارك ما زال يرقد بعد عام على قيام الثورة في منتجع فخيم، بينما لا يجد الثوار من ضحاياه علاجًا كريمًا وتعويضًا مكافئًا لما لحق بهم من جرم على يدي رجاله، وهل يفهم كيف تقوم ثورة وبعدها يعتقل ألوف الثوار وتصدر ضدهم أحكام عسكرية سريعة صارمة بينما يدلل أكابر المجرمين؟
أليست الصورة شديدة التنافر بين أجزائها حقًّا؟ ألسنا في حاجة إلى عملية كاملة شاملة لإعادة فك وتركيب المشهد بأكمله على نحو يتسق مع منطق الثورة؟!!