في المقال السابق تحدثنا عن أنه لكي نبني مصر الواعدة التي نحلم بها لا بد من شيوع ثقافة الصندوق واحترام إرادة الأمة، ففي هذه الانتخابات قد يكون هذا التيار هو الأغلبية ويكون تيارًا آخر معارضة، وفي الانتخابات التي تليها قد ينقلب الوضع وتسير الأغلبيه معارضة والمعارضة أغلبية وهكذا، ولو وصلنا لذلك وهو ما نأمله ونثق أن الشعب المصري صاحب الثورة الحضارية المتفردة سيكون صاحب تجربة ديمقراطية متفردة.
ويبقى السؤال هل تنتهي مهمتنا نحن الناخبين باختيار الأصلح؟، والعودة إلى بيوتنا نفتح التلفاز لنشاهد من اخترناهم وبرامج التوك شو منتظرين الخمس سنوات فنقيِّم الأداء ونعيد الاختيار.
أقول ليس هذا بالسلوك والأداء الديمقراطي والحضاري للشعوب، ولي استدلالان على ما أقول.
الاستدلال الأول لما بويع أبو بكر بالخلافة بعد بيعة السقيفة:
تكلم رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
هاهو يقول (وليت عليكم) أي أنه لم يفرض نفسه على الشعب، ولكن الشعب هو الذي اختاره وأتى به واليًا عليه، وليس مثل من فرضوا أنفسهم أوصياء وحكامًا على الناس لعقود جبرًا أو بانتخابات مزورة.
ولست بخيركم، وهذا شأن الكبار.. التواضع، وإدراك حقيقة نفسه البشرية، فلا يغريه الاختيار فيظن أنه الأصلح، فقد يقوده هذا الشعور للسقوط والهلاك.
(فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني) وهنا يعلمنا أبو بكر درسًا عظيمًا أن مهمتنا لا تنتهي عند اختيار ما نظن أنه الأصلح، ولكن مهمتنا ودورنا قد بدأ، إن أحسن من اخترناه الأداء أعناه بأفكارنا ورؤانا وسواعدنا، وإن لم يحسن قدَّمنا له النصيحة وسعينا إلى تقويمه (وإن أسأت فقوموني).
ثم يردف رضي الله عنه قائلاً: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) وهذا تمام دور الناخب، فمشروعية الطاعة لمن اخترناه ليس أنه تم اختياره في انتخابات حرة نزيهة، ولكن المعيار هو طاعته لربه والتزامه بمنهجه، فإن استقام فله كامل الطاعة، وإن اعوج وراغ روغان الثعالب فلا طاعة له، وهكذا نرى ناخبًا يقظًا فاعلاً مراقبًا.
الاستدلال الثاني في قصة ذي القرنين:
قال الله عزَّ وجلَّ (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)) (الكهف).
فذو القرنين الرجل الصالح القوي الأمين طاف الأرض شرقًا وغربًا حتى أتى على هؤلاء القوم الذين وصفهم الله عزَّ وجلَّ بقوله: (لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) تقول التفاسير أنهم لا يفقهون ولا يدركون قوله لاختلاف لغتهم، ولعلي أرى أنهم لا يكادون يفقهون قولاً، لا يدركون توصيف حالهم ولا التعبير ولا الفهم نتيجة لشدة الظلم الواقع عليهم، فالظلم والاستبداد يفسد الشعوب التي تستمرئ هذا الظلم ولا تسعى لمقاومته وتغييره، ويسلبها كرامتها وعزتها ونخوتها، ويدمر حاضرها ومستقبلها، وقد يكون من سلوكيات الظالمين هو عزل شعوبهم، فلا يسافرون أو بالمسمى الحديث تحديد الإقامة فلا يختلطون بالشعوب الأخرى خوفًا من أن تنتقل عدوى الرغبة في العيش في ظلال الحرية كما يعيش الآخون.
وقد وصلت سيرة "ذو القرنين" إلى مسامعهم، وأنه الحاكم العادل الذي مكَّن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، فلما دخل عليهم وطنهم ذهبوا إليه في تظاهرة جماعية طالبين منه (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)، هل نقرر لك راتبًا من المال عظيمًا مقابل أن تخلصنا من الظالمين المستبدين الذين أهلكوا الحرث والنسل.
لقد وجد هذا الشعب الحاكم الصالح الذي اختاروه ليكون قائد المرحلة، وأنه هو الذي سيخلصهم من الظلم والفساد، وأنه هو القادر على أن يحقق لهم الإصلاح الذي ينشدونه من استقرار أمني ونمو اقتصادي، ولكن "ذو القرنين" رضي الله عنه يعلمهم ويعلمنا أن دور الشعوب لا ينتهي عند اختيار الحاكم الصالح القوي الأمين، ولكن لهم دور عظيم بعد ذلك.
فها هو رضي الله عنه يقر أمامهم ويعلن أن ما به من أمانة وقوة وإمكانيات وقدرات من فضل الله عليه وليس من عنديات نفسه (قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ).
ذو القرنين رضي الله عنه يدرك أن التغيير والإصلاح الحقيقي الناجع هو الذي يشارك ويساهم ويقوم به الشعب جميعه، لذلك حدد لهم دورهم فقال لهم: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، (قَالَ انفُخُوا)، (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا).
ولما كان الإصلاح والتغيير بمشاركة شعبية كان ناجحًا، لذلك قال الله عزَّ وجلَّ (فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) أدت الجهود الشعبية التي تقاد بقيادة صالحة واعية مؤمنة إلى التغيير والإصلاح الحقيقي.
ولكن بعد ما أتمَّ الله نعمته على القوم بالقضاء على الفساد وإحداث التغيير والإصلاح فإذا بالقيادة المؤمنة ترجع الفضل لصاحب الفضل سبحانه، وتطأطئ الرأس خضوعًا لله (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) وهذا سلوك القائد الصالح، وليس كمن يمن على شعبه؟ أن ما أجراه الله على يديه من خير هو من عنديات نفسه وبقدراته وإمكاناته، فيكرر على مسامعهم المرة تلو المرة (أنا صاحب الضربة الأولى)!!!.
وأخيرًا نجد أن القوم كانوا يمتلكون أدوات التغيير، فذو القرنين رضي الله عنه لم يجلب لهم الحديد ولا النحاس ولا الطاقه التي أوقد بها النار، ولم يستجلب خبرات ولا قوة بشرية ويدًا عاملة من الخارج، إنما الحديد والنحاس والوقود والطاقة البشرية من عندهم كانوا يمتلكونها، ولكنهم لا يستطيعون أن يغيروا!، ماذا كان ينقصهم؟، إنها القيادة الصالحة التي تستطيع أن توظف وتفجر الطاقات، وتوظف القدرات والإمكانيات وتزرع الثقة في الأفراد في أنفسهم وإمكانياتهم.
ونحن في مصر نمتلك الخيرات الطبيعية التي حبا الله بها مصر، وأعظم ما مَنَّ الله به على أهل مصر هو هذه الإمكانيات والقدرات البشرية (خير أجناد الأرض)، فماذا ينقصنا لإحداث التغيير الحقيقي والإصلاح؟
الذي ينقصنا هو ما نقوم بفعله اليوم، وهو اختيار القيادة الصالحة الواعية الراشدة.