مؤسسات علمية تُحرق وتُنهب وتُسلب، وتاريخ وتراث يضيع، فلم نكن نتصور يومًا ما أن المجمع العلمي الذي وضع به التاريخ العلمي للدولة المصرية الحديثة موثقًا، أن يتحول إلى مبنى مهجورًا ومحروقًا ومسلوبًا، فمصر الآن تخسر تاريخها وتراثها، ولا أحد يعرف حتى من المتسبب في ذلك.
اشتعلت النيران في المجمع العلمي المصري صباح يوم السبت 17/12/2011، نتيجة لاشتباكات بين قوات الجيش المصري ومتظاهري مجلس الوزراء، وهذا الحريق أشعرنا كمصريين بالخزي والعار، فها هو حريق آخر طال تراثنا الحضاري بعد حريق مكتبة الإسكندرية القديمة التي شيدها البطالمة والتي علمت الدنيا العلم، وظل حريقها- وما زال- لغزًا محيرًا للمؤرخين، فهل سيظل حريق المجمع العلمي المصري لغزًا محيرًا للمحققين والقانونيين في الفترة القادمة؟ لأنه لا يجرؤ أي إنسان مهما كان على إدعاء دور البطولة بحريق مكتبة تضم تراثًا حضاريًّا عظيمًا، فالمجمع العلمي هو ذاكرة مصر الفكرية الذي حفظ مدخرات التراث المصري عبر مئات السنين، إن الأيدي التي امتدت لتحرق ذاكرة مصر لم تدرك قيمة الممتلكات الثقافية التي تمتلكها مصر، فالمجمع واحد من أهم كبريات مؤسسات المعرفة في مصر والعالم، فكان يلتقي فيه الأعلام الذين هم ملء السمع والبصر.
- تاريخ إنشاء المجمع العلمي المصري:
المجمع العلمي المصري هو أعرق المؤسسات العلمية في مصر؛ إذ مر على إنشائه أكثر من مائتي عام، وقد تم تبني خطة لتطوير المجمع تقوم على تسجيل مبناه الحالي في عداد الآثار الإسلامية، وتسجيل مقتنياته النادرة، وترميمه، وتحديث مكتبته.
![]() |
وقد أنشئ في القاهرة؛ حيث أصدر نابليون بونابرت في 20 أغسطس عام 1798م قرارًا بإنشائه، واختير منج رئيسًا له، وبونابرت نائبًا للرئيس، وفوربيه سكرتيرًا مدى الحياة، واختير منزل إبراهيم كتخدا السناري بحارة منج بالسيدة زينب مقرًا للمجمع.
كان الباعث على إقامته سببين؛ العمل على تقدم مصر العلمي ونشر العلم والمعرفة في مصر، وبحث ودراسة أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلاً عن إبداء الرأي حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وكان للمجمع المصري أربعة أقسام هي: قسم الرياضيات، وقسم الطبيعة والفيزياء، وقسم الاقتصاد السياسي، وقسم الأدب والفنون الجميلة.
ظل المجمع العلمي منذ خروج الفرنسيين مهملاً، إلى أن نجح دكتور والن قنصل بريطانيا في مصر، في تأسيس الجمعية المصرية العلمية لتقوم بدوره، وأنشأ الدكتور هنري أيوت وهو إنجليزي، وبريس دافين العالم الفرنسي في عام 1842 الجمعية الأدبية المصرية لتقوم بنفس الهدف.
وفي 6 مايو 1856 أعلن محمد سعيد باشا والي مصر، إعادة تأسيس المجمع مرة أخرى بالإسكندرية وأدمجت الجمعيتان السابقتان فيه، وضم المجمع العديد من أعضاء المجمع القديم، أبرزهم جومار الذي كان عضوًا في لجنة الفنون ومرييت، وكونيج، وشينيب، وغيرهم، وبرز عدد كبير آخر من أعضاء المجمع على مدى تاريخه في مختلف المجالات، ومنهم جورج شواينفورت الرحالة المشهور المتخصص في العلوم الطبيعية، ومحمود الفلكي الأخصائي في علم الفلك، وماسبيرو المتخصص في التاريخ الفرعوني، وعلي مشرفة عالم الرياضيات، والدكتور علي باشا إبراهيم، وأحمد زكي باشا.
ثم انتقل المجمع عام 1880 إلى القاهرة، واستقر في موقعه الحالي، وبدأت أنشطته تنتظم، فكان يعقد جلسة شهرية بدءًا من نوفمبر إلى مايو، ويلقي فيه علماء مصريون وأجانب، محاضرات من شأنها توطيد العلوم ونشر ألويتها.
- أسباب إنشاء المجمع العلمي المصري:
في عام 1918م أجريت تعديلات على الشُعب وأصبحت: الآداب والفنون الجميلة وعلم الآثار، والعلوم الفلسفية والسياسة، والفيزياء والرياضيات، والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي، ويحتوى المجمع على مكتبه تضم 40.000 كتاب، وله مجلة سنوية.
وهذه الأسباب هي الظاهرة، أما الهدف الأساسي الذي استهدفه نابليون من إنشاء المجمع هو دراسة مصر دراسة تفصيلية؛ لبحث كيفية استغلالها لصالح المحتل الفرنسي، ونتج عن هذه الدراسة كتاب "وصف مصر"، وبمغادرة الفرنسيين مصر عام 1801 توقف نشاط المعهد لانتهاء سبب إنشائه.
![]() |
وأدخل تعديل على أقسام المجمع، فأصبحت كالآتي: قسم الآداب والفنون الجملية، وعلم الآثار، وقسم العلوم الفلسفية والسياسية، وقسم العلوم الطبيعية والرياضيات، وقسم الطب والزراعة والتاريخ الطبيعي، وينتظم في هذه الأقسام مائة وخمسون عضوًا، منهم خمسون عضوًا عاملاً، وخمسون مراسلاً بعضهم من مصر، وخمسون منتسبًا في الخارج.
وأبرز أعضاء المجمع، الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة، والأمير خالد الفيصل، وأصبح عدد أعضائه من الأوروبيين محدودًا؛ وخاصة الفرنسيين، ومنهم الدكتور فيليب لاوير، وهو خبير فرنسي في الآثار يعيش في مصر منذ أربعين عامًا، ودكتور جورج سكانلون وهو أستاذ أمريكي متخصص في العمارة الإسلامية، والدكتور وارنركايزر وهو ألماني ويتبادل المجمع مجلته السنوية ومطبوعاته مع مائة وأربعين مؤسسة علمية دولية.
- مكتبة المجمع العلمي المصري:
في عهد الخديوي سعيد ظهرت أول مجلة للمجمع تضم مقالات باللغة العربية والفرنسية والإيطالية تم تصديرها بقصيدة رفاعة رافع الطهطاوي الذي ألف القصيدة في مدح المجمع، والتي تمت ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، أما مكتبة المجمع فتضم أربعين ألف كتاب، من أمهات الكتب؛ أهمها على الإطلاق كتاب "وصف مصر"، وأبرزها أيضًا أطلس عن فنون الهند القديمة، وأطلس باسم "مصر الدنيا والعليا" مكتوب عام 1752م، وأطلس ألماني عن مصر وإثيوبيا يعود للعام 1842، وأطلس ليسوس وهو ليس له نظير في العالم، وكان يمتلكه الأمير محمد علي ولي عهد مصر الأسبق، وقام مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، بإدخال هذه المكتبة النادرة على الحاسب الآلي، وله مجلة سنوية ومطبوعات خاصة.
![]() |
- المجمع العلمي أثر إسلامي:
جدير بالذكر أن المجمع العلمي المصري يعتبر أثرًا إسلاميًا، فقد تم تسجيله في عداد الآثار الإسلامية سنة 2005م، بموجب قرار وزاري رقم 1611 لسنة 1995م.
ولذلك قام وزير الدولة لشئون الآثار محمد إبراهيم علي بتشكيل لجنة برئاسة الأستاذ محسن سيد علي رئيس قطاع الآثار الإسلامية بالوزارة، وقد تمكنت اللجنة من معاينة المجمع، وأشارت في تقريرها المرفوع للسيد الوزير أن جميع حوائط المجمع سليمة ولم تتلف، في حين أن الأسقف مدمرة تمامًا، وجميع العناصر الخشبية والكهربائية مدمرة تمامًا، وجارٍ توحيد الجهود مع شركة المقاولون العرب لتجهيز المبنى لإعادة ترميمه وعودته لبهائه القديم.
وسيتم البدء في أعمال الترميم حال استقرار الأوضاع الأمنية حول المبنى؛ لأن الأوضاع الحالية لا تساعد أبدًا على القيام بأية أعمال ترميم، كما قدرت اللجنة بعد المعاينة تكلفة الترميم بنحو 2.5 مليون دولار سيتم العمل على توفيرها، حيث أكد الدكتور محمد إبراهيم، وزير الآثار، أنه سوف يخاطب السفير الفرنسي بالقاهرة ليطلب من حكومة فرنسا المساهمة في ترميم مبنى المجمع العلمي لإعادته لحالته الطبيعية، وكذلك حاكم إمارة الشارقة.
ـــــــــــ
المراجع
1- عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية، ج1 الطبعة الأولى، ص 118.
2- عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، الجزء الأول، مكتبة الأسرة 2001م، ص 244.
3- عبد الرحمن زكي، موسوعة القاهرة في ألف عام، مكتبة الأنجلو، الطبعة الثامنة، 1987م، ص256.
4- شحاتة عيسى، القاهرة، مكتبة الأسرة، 1999م، ص 389.
--------------------------
مدير عام البحوث الأثرية بمكتب وزير الدولة لشئون الآثار


