نحن الآن بلا شك نعيش بداية مرحلة تاريخية في حياة أمتنا، تحتاج إلى مضاعفة جهودنا وتغيير بعض طرق تفكيرنا، وقبل أن نتكلم عن طبيعة المرحلة الجديدة، أحب أن أشير إلى مراحل تاريخنا الإسلامي كما بينه النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافة راشدة ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها الله، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم تكون جبرية وفسادًا في الأرض، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت".

 

ويتضح من هذا الحديث الشريف أن مراحل تاريخنا الإسلامي خمس مراحل:

 

1- الأولى: مرحلة النبوة، وفيها تمَّ اكتمال الدين في صورته النهائية التي ارتضاها الله تبارك وتعالى للبشرية، وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم خير نموذج لتطبيق هذا الدين في واقع الناس، فعلى مدى ثلاثة وعشرين عامًا مرَّت على النبي- صلى الله عليه وسلم- وعلى الصحابة – رضوان الله عليهم- مختلف المواقف البشرية في مختلف مجالات الحياة حلوها ومُرِّها، ورأى الصحابة من النبي كيف تصرَّف فيها، وكيف طبَّق أمر الوحي بأمانة تامة في هذه المواقف.

 

2- المرحلة الثانية: هي مرحلة الخلافة الراشدة التي أوصى رسولُنا المسلمين من بعده بالاقتداء بسنته وسنتهم، وكان من حكمة الله تعالى أن كلَّ خليفة تميز في مواقف غير مواقف الآخر حتى نقتدي بهم رضوان الله عليهم في مواقفهم تلك:

 

أ‌- فأبو بكر رضي الله عنه اتسم بحزمه الصارم في المواقف الصعبة التي لا تحتمل أي تردد، وظهر هذا في موقفه من المرتدين ومن مانعي الزكاة.

 

ب‌- وعمر رضي الله عنه تميز بحسن إدارة الدولة، ونشر العدل والأمن في ربوعها.

 

ج- وعثمان رضي الله عنه تميز بتثبيت أركان الدولة في البلاد الواسعة التي تمَّ فتحها في عهد عمر، وأضاف المزيد إليها.

 

د- أما علي رضي الله عنه، فقد أعطى المثال للتصرف السليم وقت الفتن والمحن، ما كنا لنعرفها لو لم تحدث تلك الفتن في عهده رضي الله عنه.

 

3- المرحلة الثالثة: مرحلة الملك العضوض، التي تحولت فيه الخلافة من خلافة راشدة إلى ملك وراثي عضوض، وامتدت هذه المرحلة من معاوية- رضي الله عنه- إلى سقوط آخر خليفة عثماني في فترة زمنية قاربت الـ1300 عام، وقد كانت هذه المرحلة كما وصفها النبي بأنها خيرٌ وفيه دَخَن، أما الخير فتمثل في جيل التابعين الذين وضعوا الكثير من أصول العلم، وتابعوا الفتوحات، ونشروا الإسلام في ربوع الأرض، وقدَّموا نماذج راقية في مختلف مجالات الحياة، وكانت جهودهم هي نواة تقدم الغرب، كما وضَّحَ ذلك العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتابه القَيِّم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".

 

وأما الدَّخَن أو الشر، فتمثل في الملك الوراثي الذي ترتب عليه سفك الدماء وانقسام المسلمين إلى طوائف، وعمليات الانفصال التي قسمت العالم الإسلامي بعد أن كان وحدة واحدة، وقد دفع المسلمون جميعًا ثمن هذا الشر بسقوط الخلافة ووقوع العالم الإسلامي في يدِّ الأوروبيين الذين سعوا لمحو الإسلام من نفوس المسلمين، فنجحوا في أمور وفشلوا في أخرى.

 

4- المرحلة الرابعة: وهي مرحلة الجبرية والفساد في الأرض التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بعدة صفات، فحينما سُئل النبي: كيف تكون جبرية وفسادًا في الأرض؟!! قال:أئمة يبغضونكم وتبغضونهم" وفي موضع آخر قال: "دعاة على أبواب جهنم هم من جلدتكم يتسمون بأسمائكم ويتكلمون بألسنتكم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" وفي موضع ثالث قال: "سيأتي على أمتي زمان يفترق فيه الدين والسلطان، ألا فاتبعوا الدين ولا تتبعوا السلطان" وقد كان من أبرز تلك المرحلة التي أرى أننا نعيش أواخر أيامها ما يلي:

 

- سيطرة حكام موالين للغرب يخدمونه أكثر مما يخدمون أمتهم، تميزوا بغلظة الكبد وقسوة القلب.

 

-أصبحت أغلب نخب المجتمع ممن تشربوا حضارة الغرب وأرادوا نقلها لأمتهم حلوها ومرها، وبدلاً من قيامهم بدور قيادة الأمة نحو ربها، قادوها إلى التبعية للغرب في كل شيء، وسعوا إلى تشويه حضارة أمتهم وتشويه تاريخها، والتشكيك في تطبيق شرع الله تعالى.

 

- انجراف كثير من أبناء الأمة إلى تقليد الغرب، وإن احتفظوا بحبهم لدينهم واعتزازهم برسولهم، وحفاظهم على الشعائر التعبدية.

 

وقد بدأت تلك المرحلة من وجهة نظري من وقت محمد علي باشا الذي حكم مصر وعمل على فصلها عن حضارتها شيئًا فشيئًا ورويدًا رويدًا؛ حيث حلَّت مفاهيمُ الحضارة الغربية محل مفاهيم حضارتنا؛ وحتى وصلت إلى قمتها باحتلال الإنجليز مصر وإلغائهم المحاكم الشرعية وتطبيق قوانين غربية، وفي عهدهم أصبحت السيطرة على عقول المصريين بيد المصريين الذين تربوا على مفاهيم الغرب، وتمَّ وضع مناهج دراسية في المدارس والجامعات تُخرج أجيالاً تعرف الغرب وتمجده، وتجهل حضارة الإسلام وتحتقرها، لولا بقية من آثار بقيت في نفوسهم لم تستطع مناهج الغرب إزالتها بفضل احتفاظ المسلمين بقرآنهم وبسيرة نبيهم.

 

والناظر في أحداث ما يسمى إعلاميًّا بالربيع العربي يجد أن هذه المرحلة قد أذن الله تعالى لها بالسقوط، وبدأ السقوط بزين العابدين بن علي بتونس، وثُنَّي بحسني مبارك، وثُلِّث بالقذافي... والبقية تأتي إن شاء الله.

 

5- وهذا يعني أننا على أبواب المرحلة الخامسة والأخيرة، وهي مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، ولكي تأتي هذه المرحلة، فلا بد من قيام أكثر من دولة إسلامية في أكثر من قطر عربي وإسلامي، وتعمل هذه الدول التي تقوم على منهج الإسلام لوحدة باقي دول العالم الإسلامي، وضمِّها في وحدة أشبه بوحدة الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية أو بأي طريقة تناسب ظروف العصر.

 

لكن للوصول إلى هذه المرحلة لا بد من التخلص من جميع أنواع السلطان الغربي علينا، فليس كافيًا أن يسقط الطغاة وأذيالهم، بل ينبغي إزالة باقي آثار الغرب علينا– وهي كثيرة- ومنها:

 

- السلطان الاقتصادي، فما زال اقتصادنا بيد الغرب، وما زالت بنوكه وبورصاته تتحكم في اقتصادنا، وما زلنا أسرى منتجاته وصناعاته، وما زال الكثير من ثرواتنا مودعة في بنوكه أو ينهبها بأثمان بخسة، وما زال الربا هو عماد الاقتصاد تأسيًا باقتصاد الغرب، وكل هذا يحتاج إلى جهود ضخمة من رجال الاقتصاد المخلصين كي ينهضوا باقتصادنا؛ حتى لا يكون أسيرًا للغرب، يتعاون مع الغرب، ويتبادل معه المنافع دون تبعية أو شعور بالدونية.

 

- السلطان السياسي؛ حيث ما زالت المفاهيم السياسية عندنا مستمدة من مفاهيم الغرب، وما زال النموذج الغربي هو النموذج المحتذى، ومصطلحاته هي المستعملة بيننا، وما زالت مقاييس الغرب هي معيار الحكم على أنظمتنا، كذلك ما زالت جامعاتنا ومعاهدنا تدرس علم السياسة من المنظور الغربي باعتبارها النموذج الأعلى، ومعنى هذا أننا ينبغي أن نؤسس لفكرنا السياسي من منطلق حضارتنا، مع الاستفادة من وسائل الغرب في تدبير شئونه السياسية مثل تقسيم السلطات، وإجراء الانتخابات، وإطلاق حرية الصحافة والإعلام... إلخ.

 

- السلطان الثقافي، فما زالت مفاهيم الثقافة الغربية هي المسيطرة على عقول الكثيرين، وأفلام الغرب ومسرحياته هي النموذج المحتذى للسينما والمسرح والتلفزيون، وكذلك الفنون {الأدب – الفن التشكيلي- النقد الأدبي.. إلخ}، والعجيب أن كثيرًا من العاملين في مجال الفن يشوهون تاريخنا وحضارتنا في أعمالهم الفنية؛ بحجة الضرورة الفنية والحبكة الدرامية؛ مما نتج عنه صورة مشوهة في أذهان الناس عن تاريخنا وحضارتنا، تحتاج إلى جهود ضخمة لتصحيحها.

 

- السلطان التشريعي، فبالرغم من أن كثيرًا من دولنا العربية تنص دساتيرها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لكن الواقع يقول بغير ذلك؛ حيث تكاد نصوص الشرع تنحصر في أحكام الأسرة فقط أو فيما تسميه المحاكم بالأحوال الشخصية.

 

- السلطان العلمي، ورغم الجهود الضخمة منذ ما يقرب من مائتي عام في إرسال البعثات العلمية لنقل ما عند الغرب من علوم، فمازلنا أسرى الغرب في نظرياته العلمية {بشقيها الإنساني كعلم النفس، وعلوم الإدارة، والطبيعي كالفيزياء والرياضيات} وفي تفسيره لكثير من الظواهر الكونية، وما زالت جامعاتنا متأخرة عن جامعات الغرب، وأبحاثنا أقل رتبة من أبحاث الغرب نظرًا للتضييق الخفي والعلني على البحوث العلمية عندنا، وما زال الغرب يستنزف عقولنا المبدعة في مختلف مجالات الحياة، ويستغل سوء الأوضاع في بلادنا ليستقدم تلك العقول لتستقر عنده ويستفيد هو منها، كما أننا نحتاج إلى إعادة النظر في مناهج الدراسة في المرحلة قبل الجامعية؛ لأنها تحتوي على كثير من الحقائق المشوهة والمفاهيم المغلوطة.

 

- سلطان الإعلام: حيث تسيطر وسائل الإعلام الغربية على عقول كثير من أبناء أمتنا، وتساهم في تشكيل الرأي العام ضد الإسلام، وليس عندنا من الإعلام الحر الذي ينطلق من مفاهيمنا إلا القليل، بل نجد بعض الفضائيات لا تحسن سوى مخاطبة الجمهور المتدين وتعجز حتى الآن عن مخاطبة الآخرين وبخاصة المنبهرين بالغرب باللغة التي يفهمونها.

 

كل هذه الأمور وغيرها تحتاج إلى جهود ضخمة من الأمة، تتعاون فيها مختلف طوائفها وتياراتها لتنهض بالأمة من جديد وتسعى للاستقلال عن الغرب في مختلف المجالات، وتتعامل معه معاملة الند للند لا معاملة المتبوع لتابعه.

 

ومعنى هذا أننا نحتاج إلى كل الجهود- بعيدًا عن الإقصاء-، ونحتاج إلى التنافس الشريف- لا التناحر المذموم- في بناء أمتنا، ونحتاج إلى حكمة في التحرك حتى لا يستغل الغرب نقاط ضعفنا ليفرض علينا ما لا نريده، إن الفرصة الآن مواتية لبناء نهضتنا من جديد، نحتاج في بناء نهضتنا إلى الحرية وإلى العدالة وإلى المساواة؛ كي نبدع من جديد، وننطلق من جديد، ونبني من جديد.

 

فهل نحن فاعلون؟!!.

 

------------

* مصري مقيم بالكويت