الثورات كالزلازل؛ لها مقدمات وإرهاصات، ثم هزات وضربات قوية وعنيفة، تسقط أنظمة وكيانات ورموز وأدوات، ثم تمر بمراحل انتقالية، تطول أو تقصر، تمر فيها بتوابع ارتدادية متوسطة وكبيرة، لها خسائر قد تكون فادحة، وهي كذلك كالعمليات الجراحية الكبيرة والخطيرة تحتاج إلى فترات نقاهة طويلة تعاني فيها الانتكاسات، يظن البعض أنها سكرات الموت أو الأنفاس الأخيرة، لكنها أجواء تقوية المناعة واسترداد العافية.
هذا ما تعيشه مصر، شعبًا وحكومة، أحزابًا وإعلامًا، خصومًا وأعداءً، منذ ثورة 25 يناير، اشتباكات وصدامات، مخاوف وفزاعات، شهداء وجرحى، لكنها المراحل السلبية لدورة حياة الثورة المصرية العريقة، لكن أيضًا من الأهمية بمكان تشخيص الواقع ورصد الأحداث وطرح الحلول والبدائل العلاجية والوقائية؛ للخروج بمصر والثورة إلى بر الآمان.
أسباب الغرق
أطراف عدة مشاركة ومتشابكة منها:
** المجلس العسكري.. الحاكم الفعلي للبلاد، ونمط إدارته الذي يميل إلى التعتيم بغياب المعلومات تارة وحجبها تارة والمغالطة تارة ثالثة "راجع التصريحات الخاصة بعدم استخدام العنف رغم القتلى والجرحى"، والتعويم بخلط الأوراق، والتقدم خطوة ثم التقهقر خطوات، وأخيرًا التأزيم بصناعة الأزمات هنا وهناك بالتصريحات المستفزة "راجع تصريحات اللواء الملا ومن قبله اللواء ممدوح شاهين في نزع صلاحيات مجلس الشعب القادم" أجواء سحبت معظم رصيد الثقة في المجلس العسكري لدرجة بات البعض يشير إليه بأصابع الشك والريبة.
** الأحزاب السياسية.. التي حولت الممارسة الديمقراطية الرائعة إلى معركة حربية أسقطت فيها منظومة القيم المجتمعية التي تميز بها المجتمع المصري عبر عصوره الطويلة، وراحت تعوض العجز الميداني إلى حملات متتالية من التشكيك والاتهام والتخوين.
** الإعلام الخاص.. الذي انتقل من مربعات المهنية والأخلاقية في نقل المعلومات والحقائق مجردة، إلى مربعات الانحيازية والانتهازية والابتزاز، بحملاته المتتالية من الترويع والتفزيع، ثم حملات التشويه والتشكيك؛ أملاً في نشر روح اليأس والإحباط.
** التتار الجدد.. أشرار المعتصمين من بقايا النظام والبلطجية وأطفال الشوارع- عدد أطفال الشوارع في القاهرة تجاوز 500 ألف تتراوح أعمارهم من 10– 15 سنة- الألغام المزروعة في أروقة مصر وشوارعها وميادينها، نعم هم ضحايا أنظمة الاستبداد والفساد والقمع؛ لكنهم في هذا التوقيت متفجرات وشظايا، الذين حرقوا المجمع العلمي المصري وشرعوا في هدم مجلس الشعب، ولو تركوا دون الأخذ على أيديهم لحرقوا وهدموا مصر كاملاً.
المستفيدون
** نزلاء مزرعة طره، رموز نظام الاستبداد والفساد والقمع، الذين تم جمعهم في مكان واحد يتآمرون ويديرون مناخ الفوضى والعبث والفتنة "راجع المكالمات المسجلة بين فتحي سرور ومبارك قبل أحداث شارع محمد محمود بأسبوع".
** بعض رجال المال والأعمال وكبار النافذين في مؤسسات الدولة، وبعض الوزارات السيادية والحساسة، أصحاب الملفات السوداء.
** شبكات الإفساد، تجار المخدرات والسلاح والآثار والأعضاء البشرية.
** بعض دول الجوار؛ خوفًا من وصول عجلة الثورة إلى عروشهم الخاوية، فضلاً عن الكيان الصهيوني الخاسر الأكبر من نجاح الثورة المصرية "راجع تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني بأن نجاح التجربة الديمقراطية المصرية يمثل زلزالاً".
مقومات النجاة
حزمة من الثوابت والقواعد والمكتسبات التي يتميز بها الشعب المصري، حزمة تمثل صمام آمان وقوة دافعة ضامنة:
** منظومة القيم المصرية الحضارية "الإسلامية والمسيحية" قيم الوحدة والتماسك، المحبة والتسامح، التكافل والتعايش، التي استدعيت بسهولة ويسر في ميدان التحرير خلال فعاليات الثورة.
** روح الصبر والجلد وتحمل الصعب واختراق الأزمات والنكسات والتي استدعيت بسهولة بعد هزيمة 1967م، وكانت الوقود والقوة الدافعة للعبور وانتصارات أكتوبر المجيدة.
** الإصرار الجمعي على إنجاح الثورة واستكمال مطالبها العادلة والمشروعة، ما جعل المليونيات من الفعاليات المألوفة.
** اللياقة الفكرية واليقظة الذهنية التي تحطمت عليها كل حملات التشويه والتضليل والتشكيك، حالة من الوعي فاقت النخبة الرابضة في الفضائيات وخلف الميكروفونات.
متطلبات عاجلة
** الاعتذار الفوري من المجلس العسكري لشعب مصر عن نمط إدارته السابقة، وتجديد العهد والميثاق على تنفيذ خارطة الطريق دون اعوجاج أو التفاف.
** التحقيق العاجل والعلني في جميع الأحداث الدامية السابقة والحالية، ومحاسبة المتسبب، والإعلان عن الطرف الثالث؛ ليقف الشعب على الحقائق، ويعرف من معه ومن ضده.
** استكمال الانتخابات البرلمانية بحيادية كاملة دون تدخل لطرف ضد طرف؛ استكمالاً للتجربة الديمقراطية الرائدة، بعيدًا عن تصريحات "كفاية على الإسلاميين كده – نريد مجلسًا متوازنًا".
** رد المظالم لكل المتضررين من أهالي الشهداء والجرحى وأصحاب المحلات والمنشآت التي أضيرت بسبب الصدامات أو الانفلات الأمني.
** فرض الاستقرار الأمني ودعم جهاز الشرطة الذي بدأ يمارس عمله بنجاح خلال الأيام القليلة الماضية.
وأخيرًا.. رغم المحاولات الدءوبة من دعاة الفتنة لن تغرق سفينة الوطن.. حفظك الله يا مصر..