إنَّ الحرية صفة فطرية فطرها خالق الإنسان فيه، وهي عظيمة الأثر في حياته، فهي تسعده، وبدونها يتعس، إنها تشمل حرية التعبير والكلام والعلم والعمل والإنتاج والكسب والحركة والسفر والتنقل والعلاقات الإنسانية الطيبة، ونحو ذلك ممَّا يوافق فطرة عقول البشر من خالقهم وتحبه وتجيده، فيما هو نافع لا ضارّ، أي حلال لا حرام، فيسعدون به في دنياهم ثم آخرتهم.

 

وكل هذا مُسْتقى من قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)، جاء في تفسير "القطان": ".. في هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته ومشاعره.. "، فإذا كان من حق كل فرد أن يقبل التعامُل مع ربه ونظامه، فيَسعد، أو يرفضه، فيتعس، فمن باب أوْليَ حقه في أيّ شيء دون هذا!!.

 

وذلك لأنَّ كل الأمور واضحة في العقل! بين الخير والشر والصواب والخطأ والسعادة والتعاسة، كما يؤكده قوله تعالي في تمام الآية ذاتها: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية 256)، والذي قال فيه الإمام السعدي في تفسيره: ".. لأنَّ الإكراه لا يكون إلا على أمر خفيَّة أعلامه غامضة آثاره أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأمَّا هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبيَّنت أعلامه للعقول وظهرت طرقه وتبيَّن أمره وعُرف الرشد من الغيّ، فالمُوَفق إذا نظر أدني نظر إليه آثره واختاره...".

 

وقال فيه الإمام البيضاوي في تفسيره: ".. دَلت الدلائل على أنَّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غيّ يؤدي إلى الشقاوة السرمدية والعاقل متى تبيَّن له ذلك بادَرَت نفسه إلى الإيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء..".

 

ويؤكده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ (البقرة: من الآية 31)، والذي قال فيه الإمام البيضاوي في تفسيره: ".. والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدًا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصّها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها".

 

ويزيده تأكيدًا قوله تعالي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس)، والذي قال فيه الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة.

 

ال ابن عباس ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾: بَيَّن لها الخير والشر.." (برجاء مراجعة أيضًا مقالة: "النفس المظلومة!"، ومقالة: "برمجة العقل للخير أم للشر" لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح).

 

لكنَّ للحرية ضابطًا! فهي ليست على إطلاقها! لأنها بدونه ستتحوَّل إلى فوضى مُتعِسَة بدلاً عن حرية مُنضبطة مُسْعِدَة وهذا الضابط هو الضرر، أي ألا َّتضرّ النفس أو الغير من بشرٍ أو حتى أيّ كائن! لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضِرار"، (رواه ابن ماجة)، والذي قال فيه الإمام السيوطي في "شرح سنن ابن ماجة": ".. ظاهر الحديث تحريم جميع أنواع الضرر..".

 

فلا حرية مثلاً في أكل أو شرب أو لبسٍ مُضِرّ، كشُرْب خمر أو مخدرات أو نحوهما، وكالتعرِّي دون احتشام ٍلإطلاق الغرائز والشهوات للضرر لا النفع وتحويل البشرية ذات الكرامة إلى البهيمية والمَهانة.. وما شابه هذا، كما يُفهَم ضمنًا من قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (الأعراف: من الآية 157).

 

والذي يضبط مثل ذلك كله هو الأخلاق العامة الخيريَّة الحسنة التي تعارَف عليها البشر واستقرَّت في فِطر عقولهم مِن فاطرهم منذ خلقهم وأتت به كل الرسل والشرائع الإلهية بما يناسب كل عصر حتى اكتملت بالإسلام التامّ المُسْعِد المناسب لكل العصور والأماكن والبيئات والثقافات حتي يوم القيامة.

 

هذا، ومَن أراد أن يُتعِسَ نفسه ويضرّها بشرٍّ ما فليكن في السرّ! لنهيه (صلى الله عليه وسلم) عن كشفه لئلا يكسر حياء فاعله فيستسهله ويُعاوده أو يُشجّع الآخرين ويُجرّؤهم عليه هم أيضًا فتنتشر الفواحش والتعاسات، كما يقول: "كل أمتي مُعافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المُجَاهَرَة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" (رواه البخاري ومسلم).

 

وذلك بقاعدة أخفّ الضررين! فيكتفي بضرر نفسه ويمنع ضرره عن غيره! حتى يأتي الوقت الذي فيه يضبطها على الخير الفطريّ السهل الميسور المُبَرْمَجة عليه من ربها ليسعد.
ومن الضرر، ومِمَّا لا حرية فيه، التجريح والقذف بالسوء للآخرين، كما نهى تعالى عنه ومثله بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1)﴾ (الهمزة)، وقوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات: من الآية 11)، والذي قال فيه الإمام القشيري في تفسيره: "يُقال: رجل همزة لمزة أي كثير الهمز واللمز للناس وهو العيب والغيبة..."، وقال: ".. نهى الله سبحانه وتعالي عن ازدراء الناس، وعن الغيبة، وعن الاستهانة بالحقوق، وعن ترك الاحترام..".

 

وذلك لأنه يُشوِّه السمعات وينشر الافتراءات تتبعها الحماقات وتوترات النفسيات ونحو ذلك ممَّا يستهلك جهود البشر في السلبيات لا الإيجابيات، فتتحقق التعاسات وتمحق السعادات في الدارين ولا شك وحتى الكذب، والذي قد يستصغر البعض شأنه وذنبه، يُعَدّ أيضًا صورة عظيمة من صور الضرر.. فهو يضرّ النفس لأنه يضعها في موضع خِسَّة وضعفٍ وتلاعُبٍ وانحرافٍ وسلبيةٍ وتسترٍّ على العيوب وعدم مواجهتها وعلاجها إيجابيًّا لتحقيق العزة والكرامة والسعادة... ثم هو يضر الغير ضررًا بالغًا حيث به تغيب الحقائق وتضيع الحقوق ويحدث التخلف وتنتشر الجرائم وتعُمّ الشقاوات، ولذا يقول (صلى الله عليه وسلم) عنه في حديثه المعروف: "إنَّ الصدق يهدي إلى البرّ، وإنَّ البر يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليصدق حتي يُكتب عند الله صِدّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتي يُكتب عند الله كذابًا" (رواه البخاري ومسلم).

 

كذلك من الضرر، تقديم المصلحة الشخصية بما يلغِي أو يضرّ أو ينقص المصلحة العامة، وإنما تكون مع وفي إطار ما يحقق المصلحتين، فهي المصلحة النافعة المُطوِّرَة للنفس أولاً مع الغير والبشرية والمخلوقات كلها ثانيًا.. فلا يبني أحدٌ مثلا بناءً لمصلحته في طريقٍ عامّ ٍللجميع! أو يحتكر سلعة ضرورية حيوية، أو ما شابه هذا من الأضرار ( برجاء أيضًا مراجعة مقالة: "النفس بين الأخذ والعطاء" لمزيدٍ من التفصيل والتوضيح).

 

إنه عند حدوث الضرر، أيًّا كان نوعه وحجمه ودرجته، وأيّا كان مرتكبه من الشرفاء أو الضعفاء، لا بُدّ له مِن وقفةٍ مع فاعله، من المجتمع كله، أفراده ومؤسّساته، كلٌّ حسب استطاعته، لأنه سيضرّ بهم جميعًا وسيُتعِسهم ويمنع سعادتهم كلهم بدرجات متفاوتة.

 

وهذه الوقفة تكون بما يُناسب الضرر، فهي وقفة خفيفة أو فردية أو من مجموعة، مع الأضرار الخفيفة، وتكون قوية مجتمعة مع الأضرار القوية، فالأمر إذن متروك لتقدير الفرد والمجتمع، أو حتى القضاء عند اللزوم، ويُرَاعَى أثناء ذلك الدعوة بالحسنى والودّ والحوار والقدوة الطيبة والتدرج ومراعاة دوافع الخطأ وندرته أو تكراره ونحو هذا ممَّا هو معروفٌ متفقٌ عليه من قواعد وثوابت وأصول عدل الإسلام وإسعاده للناس والتي يحملها ويجملها قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).

 

لأنَّ الهدف النهائيّ منها ليس الانتقام! وإنما المساعدة على العودة الفورية والسريعة من الشرّ المُتعِس إلى الخير المُسْعِد والذي هو أصل الحياة وجوهر الإسلام.

 

وكل ما سبق مأخوذ من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" (رواه البخاري). قال الإمام ابن حجر في شرحه في "فتح الباري": "... وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها..".

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام مِمَّن يُحسنون فهم وتطبيق كل الحريات بكامل ضوابطها، ومِمَّن يُحسنون الدعوة لذلك، لتسعد ويسعد الجميع في دنياهم وأخراهم.