كنت أتمنى أن يظل "ميدان التحرير" بالقاهرة عنوانًا رائعًا لثورة شعب بأكمله ضد الظلم والفساد الاستبداد والقهر والإهانة والإذلال، وأن يبقى هذا الميدان مكانًا ملهمًا يبعث فينا الأمل دائمًا بأننا قادرون على الثورة ضد كل ما نرفضه في وطننا، وضد كل من يقمعنا ويغتال حقوقنا ويسلب إرادتنا، وأن نفخر بما تركنا لأبنائنا وأحفادنا من تراث ثورتنا العظيمة، ولكن!.

 

هناك مع الأسف من لا يريد لهذا الوطن الغالي أن يعيش في أجواء الحرية والعزة والكرامة، أو يجني ثمار ما قام به أبناؤه من ثورة أدهشت العالم، أو أن يفرح الشعب المصري بنتائج أول انتخابات برلمانية حرة، يعبر فيها عن كامل إرادته التي حرم منها طوال أكثر من نصف قرن، ويبقى بالتالي في دائرة مفرغة من الفوضى والعبث حتى ينهار الوطن، فتنقض عليه الأفاعي والشياطين من كل جانب لتمزقه وتحوله إلى دويلات صغيرة متناحرة، لتفقد مصر دورها إلى الأبد.

 

هناك بكل وضوح من يستغل "ميدان التحرير" منذ فترة لإحداث حالة من الفوضى الدائمة، كلما هدأت الأمور أعادها للاشتعال والاحتقان غير المبرر من جديد، مستفيدًا أو صانعًا لأي حادث غامض، لأن الطريق الذي اختاره الشعب للاستقرار وبناء الدولة الديمقراطية أوشك أن يصل بنا إلى بر الحرية والأمان، وهؤلاء ليس من مصلحتهم أن تستقر مصر من جديد، إنها نفس الفوضى التي تكررت عقب انتخابات المرحلة الأولى، ويبدو أنه سيناريو سوف يتكرر في المرحلة الثالثة أيضًا.

 

هناك ثوار وطنيون حقيقيون وأبناء أوفياء مخلصون لهذا البلد الغالي، ورجال ونساء أحرار قدموا أرواحهم ودماءهم وأموالهم فداء لعزة وطنهم وأمتهم، وهم على استعداد دائم للتضحية والبذل والعطاء، بغير من ولا تطلع لغنيمة أو منصب أو تصدر للمشهد الإعلامي والسياسي، هؤلاء الأحرار الأوفياء يدركون الآن حجم المخاطر التي تحدق بمصر، أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ويتألمون لما يجري من أحداث مفتعلة وغامضة ومريبة، قد تدمر ما حققته الثورة من نتائج.

 

وهناك آخرون مزيفون مصنوعون، أو أغرار صغار مخدوعون، أو عملاء مدفوعون مأجورون، ليس لديهم مانع في حرق الوطن وإنهاك قواه الأساسية، وتحطيم مؤسساته الوطنية، وتشويه ثورته المجيدة، وإثارة الأزمات وافتعال المشكلات، ما دام بعضهم يقتات من ذلك بالدولار أو اليورو، وما دام البعض الآخر يقنع بحصته الهزيلة من الجنيه المصري، وهؤلاء وأولئك لا يدرون أنهم بذلك يخرقون سفينة الوطن في بحر متلاطم، وأنهم أول الغارقين إذا انهارت البلد.

 

مطلوب من المجلس العسكري أن يسارع فورًا إلى توضيح الحقائق والوقائع وسيناريو تصاعد الأحداث الأخيرة، وكشف الأدلة والخيوط ومن يقف خلف ما يجري على الأرض، حتى يضع الشعب والقوى السياسية في الصورة، ولا يترك الساحة غامضة ومفتوحة لكل الاحتمالات والاتهامات.

 

ومطلوب من حكومة الدكتور الجنزوري أن تعالج ما يجري بأسلوب سياسي يمتص الأزمات كما تعهدت، وليس باستخدام عصا الأمن الغليظة، التي تسببت مرارًا في القتل والإصابة والتوتر فازداد الأمر اشتعالاً، ومطلوب منها أن تواصل رسالتها، وأن تبذل جهودها للخروج من الأزمة الراهنة، والوصول بالوطن إلى بر الأمان.

 

ومطلوب من القوى الإسلامية والوطنية أن يكون لها دور حقيقي في معالجة ما يجري من أحداث، وأن تشارك المجلس العسكري والحكومة في مواجهة هذه الفوضى المدمرة، التي يسعى بعض الفاشلين السياسيين والأدعياء الانتهازيين، وبعض المغرر بهم من صغار السن إلى إحداثها كل فترة.

 

وهنيئًا لمن فازوا بثقة الشعب الحر في المرحلة الثانية، وفي انتظار استكمال المرحلة الثالثة.

-----------

* Badrm2003@yahoo.com