إن هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده، هو دين الإنسانية كلها، ودين الأماكن كلها، ودين الأزمان كلها.. هو الدين الذي اتسعت أبعاده، وامتدت رسالته- كما قال الإمام البنا (رحمه الله)- حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة.
ولما كانت لهذا الدين هذه الخصائص وتلكم الميزات أضع أمامكم بعض الأبعاد الحضارية لرسالتنا، حتى لا نبعد كثيرًا عن أهدافها السامية، ومقاصدها الكلية العالية.
وتلكم الأبعاد- كما أراها- تتمثل في الآتي:
- البعد العالمي:
وهو بعد ملحوظ منذ بزوغ شمس الرسالة، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) (الأنبياء).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" (متفق عليه).
بل إن أول ما يتفوه به المسلم بين يدي الله في صلواته كلها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)) (الفاتحة).
والمتأمل في الإسلام يجد البعد العالمي شائعًا في تعاليمه ومبادئه.
وبهذا البعد العالمي، تتسع آفاق المسلم، ويمتد بصره بامتداد رسالة الإسلام، ويبتعد عن القطرية الضيقة، التي تقزّم الفكر وتحدده!.
وفي ضوء هذا البعد العالمي، ينبغي أن تكون الدعوة، ويكون الطرح، فرسالتنا أكبر من يحدها قطر، أو تستأثر بها طائفة دون أخرى؛ فهي رسالة الأزمان كلها، ورسالة الأماكن كلها، ورسالة العوالم كلها!.
- البعد الرسالي:
وتتحدد أهداف هذا البعد الرسالي في إطار البعد العالمي، كما بين القرآن الكريم:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)) (آل عمران).
فما أخرجنا الله وما كلفنا بدعوته إلا لهداية الناس جميعًا، فمهما كانت المعوقات، ومهما زادت الإساءات.. لا ننسى البعد الرسالي، ومسئوليتنا التي حمَّلنا الله إياها تجاه البشرية كلها. وهذا ما يقتضي مراعاة الآتي- في دعوتنا وطرحنا:
* تصحيح المفاهيم والثقافات المغلوطة عند المسلمين وغير المسلمين.
* إيقاظ الأمة بالالتفاف حول قضاياها الكلية، وأمورها المصيرية، فلا تستهلك طاقاتها، وتبدد جهودها في قضايا جزئية ومعارك وهمية!.
* تقديم الإسلام بصورة تتواءم ومتطلبات العصر، فهو دين الزمن كله، والأماكن كلها.
* تصحيح صورة الإسلام وتقديمها كما أرادها الله رحمة للعالمين.
- البعد الإنساني:
فالإنسان هو محل خطاب وحي السماء، وتزكيته هي مدار اهتمام المرسلين والأنبياء.
كرمه الله وميزه على سائر مخلوقاته: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)) (الإسراء).
فمراعاة البعد الإنساني في شريعتنا يتقدم على كل الأبعاد، حتى دعت الشريعة إلى كل ما يحفظ كرامة الإنسان- حيًّا وميتًا-، ومنعت كل ما يستنقص منها.
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة مرت أمامه، فقيل له: إنه غير مسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أو ليس إنسانًا". (البخاري في الجنائز).
ولقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: الناس أحد أخوين: "أخ لك في الدين ونظير لك في الخلق".
ولذا ينبغي أن يكون البعد الإنساني في صدارة أولوياتنا، متغلغلاً في دعوتنا، ساريًا في سائر معاملاتنا.
- البعد الأخلاقي:
وهذا البعد هو لحمة رسالتنا وركيزة دعوتنا؛ فالدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وما أثنى الله على نبيه إلا بالخلق مع أنه الفذ في كل شيء: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) (القلم).
فلا عجب أن جعله النبي- صلي الله عليه وسلم- الهدف الأسمى لبعثته: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (صححه الألباني).
والذي أعنيه هنا- في المقام الأول- من هذا البعد هو أمانة الكلمة ومسئوليتها.
فالكلمة الطيبة الهادفة المختارة- في إطار الأبعاد السابقة- تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، كما قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)) (إبراهيم).
وأمانة الكلمة ومسئوليتها توجب علينا الأمور التالية:
* أن تكون كلماتنا وطرح أفكارنا في إطار الحرص على هداية الناس، وترغيبهم في دينهم، وتأليف قلوبهم.
* البعد عن التجريح واتهام النيات وتصفية الحسابات.
* تمحيص الفكرة وتحريرها- شكلاً ومضمونًا- قبل نشرها، ومراجعة أهل الاختصاص- ما أمكن- ليكون لها جمال الشكل وسلامة الموضوع.
* أن تنبع الكلمة من روح الفريق لا من روح الفصيل، لتجمع ولا تفرق، وتؤلف ولا تنفر، وتحبب ولا تبغض، وتبني ولا تهدم.
وأخيرًا، فلنعلم أن الولاء لرسالتنا بأبعادها الحضارية (العالمية والرسالية والإنسانية والأخلاقية) هو أكبر وأهم من انتماءاتنا الذاتية والطائفية والقطرية والمحلية، فضلاً على أنه ضرورة بشرية، ومسئولية شرعية!.
-----
* دكتوراه في الفلسفة الإسلامية.