من المتعارف عليه أن الجيش في كل دولة هو حامي حماها والمناهز عن حدودها، والمحافظ على كرامتها من الوقوع تحت براثن العدو المتربص، فبطبيعة الحال لكل دولة جيش يحمي مقدساتها وحدودها ويحفظ أمانها الخارجي والداخلي.
وكثير من الدول تمتلك جيوشًا نظاميةً من أبناء الوطن الذين تجري في عروقهم دماء الوطنية وحب هوية بلادهم مما يجعلهم يضحون بأرواحهم من أجل هذا الوطن دون النظر إلى أجر أو مقابل، لكن يوجد بعض الدول من تعتمد على المرتزقة في حمايتها أو في السطو على حقوق وطن آخر، لكن هؤلاء المرتزقة لا يحملون- شرطًا- في قلوبهم حبًّا للوطن الذي يعملون من أجله لكنهم يعملون لمن يدفع أكثر، ولذا تجد أن بعض الدول الكبرى تعتمد عليهم في غزو وطن آخر، غير أنه سرعان ما تنهار هذه المنظومة القائمة على الانتهازية والمادية فتخرج هذه الجيوش وهي تجر أذيال الخيبة.
الجيش المصري في قلوب شعبه
الجيش المصري لديه من رصيد الحب في قلوب شعبه الكثير منذ القدم لأنه من أبناء هذا الوطن، بل من كل بيت تربى وأكل وشرب من هذا الوطن واستظل تحت سمائه، ولذا تجده يقدم على الدفاع عنه وهو لا يفكر في شيء إلا حماية هذا الوطن وحفظ كرامته من أن يطأها عدو خبيث.
ومن ثم استحوذ بهذا المواقف على قلوب الصغير والكبير من هذا الوطن وأصبح رجل الجيش يسير في الشوارع وهو مرفوع القامة، تحيطه رعاية وحب كل فرد من أبناء هذا الوطن، بل إن بعض الشعب يمكن أن يضحي بنفسه من أجل إنقاذ رجل الجيش من أية مخاطر قد تحيط به أو بأهله.
ولما لا وقد أوصى رسول الله بأبناء هذا الوطن العزيز خيرًا حينما قال: "إذا فتح الله عليكم مصر من بعدي فاتخذوا من أبنائها جنودًا فإنهم خير أجناد الأرض".
ولما لا وقد رأينا هذه البسالة من جنودنا في الحروب على مر السنين منذ الفراعنة حتى يومنا هذا، فنجد كيف تحرك المصري بكل طوائفه ليحارب الهكسوس الذين أغاروا على البلد فأفسدوا فيها العباد.
ولم لا وقد وجدناهم جنودًا بواسل في التصدي لكل غازٍ؛ فحينما تحرك صلاح الدين الأيوبي لاسترجاع القدس من أيدي الصليبيين كان المصريون هم عماد الجيش الذي يصطحبه حتى فتحت وعادت لقلب العالم الإسلامي.
لما لا وقد رأينا هؤلاء البواسل الذين خرجوا ليتصدوا لأكبر قوة على وجه الأرض وهم جيوش التتار وأنزلوا بهم الهزيمة التي أطاحت بحلمهم في معركة عين جالوت.
ولما لا وقد رأيناهم ينزلون بالعدو الفرنسي النكبات ويحركون الثورات ويجابهون الأعداء جميعًا في معركة العدوان الثلاثي عام 1956م، وظهرت بطولتهم جلية في حرب أكتوبر عام 1973م حينما سارع كل جندي من الجيش يحمل على كفيه روحه ليقدمه لوطنه حتى يتحرر ويعود كريمًا مرة أخرى، وزهقت أرواح كثيرة من أجل هذه الغاية العظيمة.
من أجل ذلك أصبح جنود الجيش المصري يتربعون على قلب كل مصري، وحينما يدخل في المواصلات أو تراه في الطريق تجد الجميع ينظرون إليه نظرة تقدير واحترام.
وما ثورة 25 يناير ببعيدة عنا وقد ظهر هذا الحب المكنون في نفوس المصريين نحو جنودهم البواسل عظيمًا جليًّا، فحينما كنا واقفين على كوبري الجلاء يوم 28 يناير وكنا قاب قوسين أو أدنى من عبور الكوبري في اتجاه ميدان التحرير ومع انطلاقة أذان المغرب، وكانت المعركة حامية بين الثوار وقوات الأمن، ظهرت من بعيد ثلاث سيارات مدرعة تخترق صفوف الثوار متجه نحو ماسبيرو، ومع إدراكنا الكبير أن هذه القوات المسلحة ما تحركت لنصرتنا بل لحماية المنشآت العامة لكن انبعث حب الشعب وظهر لهذه القوات بالتهليل والفرح والتكبير، وما أعظم المشاعر الفياضة له حينما كان يقابل بعض الثوار هذه المدرعات ليقبلها ويحتضنها تعبيرًا عما في قلب كل واحد من المصريين نحو جيشه العظيم.
لكن لماذا تراجعت هذه الصورة بعد نجاح ثورتنا المجيدة؟، ولماذا انتهكت حرمات الجيش المصري وأصبح عرضة للإهانة من قبل بعض أفراد الشعب؟، ولماذا أصبح كل واحد من الشعب ينظر نظرة ازدراء لضباط الجيش أو العسكر حينما يراهم؟، هل السبب هو محاولة بعض القوى غرس روح الكره لهذا الجيش الذي ساند الثورة؟، أم أن الجيش والعسكر أنفسهم هم من غرسوا هذا الكره؟، أم أن هناك عوامل أخرى جعلته في هذا الموقف الحرج؟.
من الظاهر أن عوامل كثيرة ساعدت على زيادة الاحتقان والبغض لجيشنا، ومنها مواقف المجلس العسكري التي لا تنم إلا عن المصالح الشخصية لدى قادة هذا المجلس وهو ما دفعها للوقوع في أخطاء كثيرة حولت هذا الحب والتقدير لهم لكره وازدراء، فلقد كنا جميعًا نهتف بحياة الجيش الذي يتعامل بحضارة ورقي مع شعبه، لكن ما رأيناه منه خلال فترة ما بعد الثورة انتقص من شأن هذا الجيش.
حينما تحركت بعض القوى في محاولة للهجوم على وزارة الدفاع تحركت معه قلوب المصريين وخرج أهالي العباسية وتصدوا لهؤلاء الذين يحاولون إسقاط آخر ورقة من هيبة الدولة؛ لكن قادة الجيش وبعض العسكر عمدوا إلى إسقاط هذه الهيبة بل وصحبها إسقاط لهذا الحب المكنون لرجال الجيش.
فما رأيناه في أحداث مجلس الوزراء يندى له الجبين- ناهيك عمن افتعل الأمر ومن يقف وراءه وما الجهات التي تحركه سواء من داخل الجيش أو القوى لا تريد النهوض لهذا الوطن والاستقرار- لكن ما أدمى قلوبنا منظر هؤلاء الجنود البواسل وهم يسحلون نساءنا في الشوارع ويركلونهم بكل عنف في أجسادهن، ألم يستشعر هذا الضابط أن هذه امرأة حتى ولو كانت مخطئة؟! ألم يخجل وهو يفعل بها كذلك؟!.
كنا نلوم على قوات الأمن المركزي جهلهم وتنفيذ أوامر قادتهم بدون وعي أو دراية لطبيعة نشأتهم أو مستوى تعليمهم لكن أن نرى هذا الأمر بين قادة جيشنا، أو يسود هذا الشعور بين عساكره فهي المصيبة التي لا تغتفر حتى ولو كان العسكر مظلومين.
فما رأيناه واقعيًّا لا يدل أن هذا هو الجيش الرابض ليدافع عن هذه الأرواح، لكن نخشى أن يكون ممن كانوا في التحرير عناصر جديدة تم تدريبها من قبل الجيش ليكونوا مستعدين لفعل أكثر من ذلك.
إن مصر تتعرض للمخاطر الآن، ويحاك لها المؤامرات سواء الخارجية والداخلية وكل مصري أصبح يدرك ذلك الأمر، ويوجد من هو على أرض هذا الوطن يساعد على تنفيذ هذا المخطط ولربما بعضهم معروف والبعض غير معروف.
لكن المجلس العسكري كان أكبر من ساعد هؤلاء وأعطاهم الفرصة على تخريب هذا البلد وقتل أبناءه، ومن ثم فشل المجلس العسكري في الحفاظ على الأمانة التي سلمناها له بعد نجاح الثورة، ولم يستطع الحفاظ عليها، بل عمد إلى تبديدها وحان الوقت لاستردادها، ويعود لمهمته ليمسح وجه العار الذي لطخ به كل عناصر الجيش، ويحاول في الأيام القادمة أن يعمد إلى إرجاع صورته الطيبة الحسنة التي ظلت لقرون مطبوعة في قلوب ونفوس كل المصريين.
إن المجلس العسكري بكل ما أقدم عليه عمل بعمد أو جهل أدى إلى تفاقم الأمور وأعطى لبعض المتآمرين الفرصة ليعملوا على خراب هذا الوطن وتجريده من ثورته المجيدة والعودة بنا إلى ما قبل عصور التخلف والكبت والاستبداد وهو العامل الرئيسي في بلوغ مرادهم.
ولذا لا بد للمجلس العسكري أن يعجل بعودة الجيش إلى ثكناته ويسلم البلاد للبرلمان المنتخب من قبل الشعب كله ليستكمل المسيرة في انتخابات الرئاسة وانتخابات مجلس الشورى وليعبر بالبلاد بر الأمان أو يحاسب من قبل من انتخبه وأولوه ثقتهم... فهذا هو الحل حتى يثبت المجلس العسكري حسن نوياه.. وحتى نغلق الأبواب المفتوحة أمام المتآمرين والمتربصين، وليعمل على محاسبتهم والكشف عنهم ليقفوا أمام محاكم الشعب ليكونوا عبرة للجميع.
-------------------------------------
* رئيس تحرير موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)