ككل مصري ومصرية انطويت على حال من الألم والحسرة، والإحساس بالخزي والعار بعد رؤية "فتاة مصر" تضرب أبشع الضرب وأقساه، وتسحل، وتعرى من اللا رجال، بل اللا بشر، ويعتصرني الهوان وصورة هذا الكائن السادي الذي يضربها بحذائه العسكري على صدرها العاري.

 

حاولت ألا صدق عيني، باحثةً عن أي موقع يكذب الصورة، ويقدم دليل تدليسها وصناعتها، يشككني فيها على الأقل، كي تهدأ نفسي بعض الهدوء، غير أن الطامة الكبرى قد حدثت، واعترف المجلس العسكرى بصحة الحادثة، وسلامة الصورة، على ما رأينا في اللقاء الصحفي الذي أعلنه اللواء عادل عمارة، ويحاول المسئول- في لهجة مهددة- أن يبرر قائلاً: "لا تنظروا للصورة وحدها، ولكن اسألوا عن الظروف".. عن أي ظروف يتحدث؟! واسوأتاه، واخزياه!!.

 

إنه مهما يكن توجه الفتاة وفكرها وعقلها.. إنها لو كانت خائنةً للوطن.. عدوًّا له.. إن هذا الذي رأيناه لا مبرر له.. ثمة قوانين، ثمة حكومة انتقالية، ثمة مجلس عسكرى يفترض أنه محترم، دعك من كل هذا ثمة إنسانية وخلق.. رجولة، بقايا رجولة، أي شيء.

 

ولم يكن بأقل سوءًا من هذه الصورة صورة داعية من دعاة هذا الزمن البائس ممن تسنَّموا الفضائيات بخطاب إسلامي رديء وخطاب أخلاقي تتبرأ منه أبسط أخلاقيات الدعاة، وحملة هذا الدين العظيم.. يجلس على الفضائية في حضرة شخصين يبادلانه الابتسامة الساخرة وهو يعلِّق على ما جرى لابنة مصر التي سُحلت وضُربت، وانتُهكت حرمتها، يسخرون ويبتسمون ويتندَّرون من تعليقات الغضب التي علَّق بها البعض على الحدث، كتعليقات الدكتور البرادعي، والدكتور عمرو حمزاوي.. يقول لأولهما: "يا وااااد يا مؤمن"، ويقول للآخر: "يا ألماني.. كلكم صرتم مؤمنين؟!".

 

الأمر لا يحتاج إلى مؤمنين يا رجل، الأمر يحتاج إلى تمعُّر وجه من رؤية المنكر، يحتاج بقايا رجولة، لا رجولة كاملة، مجرد بقايا، إنسانية تجيء إن رأينا إنسانًا، بل حيوانًا يُفعل به ما فُعل ببنت مصر الشريفة، نعم مصر الشريفة.

 

يا من فقدتم شرف المواقف ووضوح الأخلاق ومبدئيتها.. لا أتحدث الآن عن حرمات الله ومحارمه، لا أقول: كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.

 

إنني أستدعي الآن ما هو أقل من هذا بكثير.. بقية الإنسان، وذُبالة الأخلاق.

 

لو تعرضت كافرة في أرضكم وحماكم لمثل ما تعرَّضت له الفتاة، لجللكم العار وكساكم الخزي، وهما مجللاكم وكاسياكم، كيف وهي المسلمة المصرية الشريفة العزلاء التي لا تحمل سلاحًا، ولا ترفع بندقية؟!

 

فيا بقايا الرجال.. أنتم من تعرَّى وانكشف، والله ساترك يا ابنتي وأختي، فاخرجي من عزلتك، ارفعي رأسك، وافتحي عينك بعزة وكبرياء، لا تسمحي لأحد أن يواسيك، فكلهم وكلنا من يحتاج إلى المواساة.

 

وإنما خرجتِ إذ شعرتِ بمسئوليتك عن هذا الوطن كما الرجال، وخرجتِ يوم لم تجدي الرجال يؤدون فروض الكفاية، بل فروض العين، فلزمتك كما لزمتهم، فقمتِ بما لزمك، ولم يفعلوا.

 

لا تراعي بما يقذفونك به.. في مطلع الدعوة خرجت: "أم كلثوم بنت عقبة" الصحابية الشابة بنت أعرق البيوتات من بيوت قريش مهاجرةً إلى الله ورسوله، فقالوا: "خرجت تفجُر"، ذهب قاذفوها إلى الجحيم، وبقيت هي، بقيت أم كلثوم بنت عقبة علمًا في الطريق.. طريق الشرفاء والشريفات الباحثين والباحثات عن الخلاص.. خلاص النفوس والأرواح، خلاص الأوطان المستعبدة، التائقة إلى تحقيق مراد الله فيها: الحرية والكرامة.. الحرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحده.. سبحانك لا إله لنا غيرك.. أقسمنا لن نعبد بعد اليوم غيرك، لن نعبد بعد اليوم غيرك.