بينما كنت مشغولة الفكر والتأمل في المعنى الذي يؤدي إليه التعريف الشرعي للسياسة في الإسلام على النحو الذي قال به الإمام ابن قيم الجوزية، من أنها "حفظ الدين وسياسة الأمة بهذا الدين"، وعلى النحو الذي تقرر أيضًا عند علماء الأمة بأن "السياسة هي القيام على الأمر بما يصلحه"، يتأكد لدى ما كنت دومًا موقنة به من عدم واقعية الفصل بين ما هو ثقافي، أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو أخلاقي؛ إذ يؤثر كل منهما في الآخر، ويتداخل معه، ويندمج إلى حد استحالة الفصل بين أي مكون من تلك لمكونات.
ولسوف أدلل ها هنا بما قد يراه البعض أبعد الروابط في اتصال هذه المناشط وتداخلها، وهو أثر الفكر والثقافة في بقية المناشط السياسية والاجتماعية، والاقتصادية.. وأدلل بسؤال القارئ الكريم: هل السياسة والاقتصاد، والاجتماع الفاسد أو الصالح إلا أثر الفكرة أو الثقافة والرؤية الفاسدة التي يحملها الإنسان، فيعمل لها وبها في كل مناشط حياته؟
وإذا اعتبرنا الدين هو أعظم وأقوى مكونات الثقافة والرؤية الفكرية والفلسفية للإنسان، فإن القول بانفصاله عن أي منشط من مناشط الحياة يعد قولاً غير علمي، وغير واقعي.
كيف إذا قلنا إن الدين ورأسه في الإسلام هو الإيمان بالله عز وجل إلهًا واحدًا، والتسليم له سبحانه: ربوبية، وإلوهية، مع ما يقتضي ذلك من التسليم له عز وجل وحده بالحكم والتشريع؟!
إن الدين بلا أدنى جدال، وفي ضوء هذا الفهم يصبح عصب كل مناشط الحياة، وقاعدتها، ودافعها، وضامن قيامها على الإصلاح، والحق والعدالة والخير.
كنت أفكر في كل ذلك فإذا بي أفاجأ في ندوة عقدتها الجامعة الأمريكية بالكويت هذا الأسبوع أفاجأ بأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، والخبير في الشئون الدولية "ناثان براون" يقول: إن الكثير من الناس ينظرون إلى الأحزاب الإسلامية على أنها معادية للديمقراطية، رغم أن طبيعة عملها تشبه الأحزاب المسيحية، مشيرًا إلى أن تلك الأحزاب لا تعادي الديمقراطية، وغايتها الإصلاح.
مضيفًا: إنه من الخطأ اعتبار الحركات الإسلامية أحزابًا سياسيةً؛ فهي تسعى إلى إعادة تأهيل المجتمع والأفراد سياسيًّا واجتماعيًّا. بل إن تلك الحركات قد انتقلت إلى العمل السياسي فقط من أجل تحقيق أهداف معينة هي تحسين وإصلاح الفرد والعائلة والمجتمع.
ويضيف أستاذ العلوم السياسية والخبير الدولي: إن ذلك يعتبر علمًا جديدًا في السياسة.
وهنا أقول: إن هذا العلم الجديد الذي يكتشفه هذا العاقل هو أصل ومبدأ ومنطلق الفكر السياسي الإسلام الذي قال به علماء الأمة منذ القرون البعيدة، بل هو الحقيقة العقدية الربانية الكاملة التامة التي جاء بها ديننا ومنهجنا الرباني عند أول خطوة في التاريخ والحضارة الإسلامية يوم كان لا يزال يحبو بمقياس الزمان.
هل يقترب الفكر السياسي العاقل من الرؤية الإسلامية إلى هذا الحد؟ وهل آن الأوان أن يستحي عوام المفكرين والإعلاميين من مدعي النخبوية، واحتكار الحكمة في بلادنا المنكوبة بهم وبفكرهم البائس، وبجهلهم الحقيقي بهذا الدين العظيم ونظمه، وآلياتها، ويتوقفوا عن التحريض والتخويف من الإسلاميين؟
إن التجارب المتراكمة التي لا تحصى عددًا تنبئني- بكل أسف- أنهم لن يستحوا؛ إذ الأمر على ما يبدو غير متصل بأمور يعقلها العقلاء، فيتوافقون، أو على أقل تقدير يتقاربون. إنها المصالح الخاصة والامتيازات التي نالوها دون مؤهلات حقيقية، أو استحقاق محترم، إنه الخوف لا من الإسلاميين بل من الإسلام نفسه، ذلك الدين الذي سينشر أسس الصدق والحق والعدل والكفاءة، إنهم أعداء ذلك، إنهم يرهبهم هذا ويخيفهم، لكنهم لا يجرؤون على الإعلان بذلك؛
(فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: من الآية 33) صدق الله العظيم.