يمنعني ديني إلا أعطي كل ذي حق حقه (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، وبالمقابل لم يمنعهم وازع من دين- إن كان للدين الحق اعتبارًا لديهم- أن يتقولوا على الإخوان بالكذب أنهم لم يشاركوا في الثورة أو أن مشاركتهم فيها كان من باب ركوب موجتها.
يمنعني ديني أن أنكر نضال كل من فضح نظام مبارك- قبل الثورة بأيام أو شهور أو أكثر- كاتبًا أو ناشطًا أو متظاهرًا أو صاحب موقف أيًّا كان الموقف... ولكن لم تمنعهم مقاييس الإسلام و قواعده- إن كانوا على إدراك بعظمتها- أن يفتروا على الإخوان فينكروا أنهم دأبوا على إعداد كوادرهم وما استطاعوا من حشد وقوة ليوم الثورة حشدًا استمر متواصلاً في صبر و إصرار ثمانين عامًا قبل قيامها تحت مظلة شعارهم العبقري (وأعدوا).
يطالبني حرصي على المستقبل وإنهاء الاستقطاب ألا أفتش في (النوايا) بعد أن انحازت الكتلة العلمانية إلى أيديولوجيتها ضد غالبية الشعب عقب سقوط مبارك التعيس وأزلامه مع أول استفتاء يحدد مستقبل مصر عندما لم يمنعهم ضابط أو رابط أو حرص على مصلحة البلد في عبور الفترة الانتقالية الخطرة سريعًا بلا تلكؤ، فانطلقوا في تهور يهاجمون (نوايا) الإخوان في رغبة السيطرة والسعي لقنص الكعكة كلها على اعتبار أنهم الأجهز والأكثر تنظيمًا، وكأنما ترابط الإخوان عمل عشوائي لم ينتج من خلال برامج تربوية التزموا بها أو كأنما هو من العورات التي يلزم سترها أو هو من الكبائر التي لا يكفرها الاستغفار، أو كأن الإخوان عاشوا في ظل حكم مبارك متعالين منفصلين عن الشارع متمتعين بما تمتعت به النخبة العلمانية من الأمن و الأمان، وكأنما لم يكن الطريق ممهدًا لهم في الحصول على تصاريح المحطات الفضائية والصحف خدمة وتغطية ديكورية لنظام بوليسي مستبد.
تراكمت ثرواتهم معه بالملايين وتوسعوا في أعمال البزنس وإقامة المستشفيات الخاصة و المصانع على أشكالها وعاشوا ناعمين مرفهين في المنتجعات و الفيلات ولهو المصايف، في حين كان قادة الإخوان يدفعون ضريبة جهادهم وتصديهم للفساد والاستبداد ملاحقة وسجنًا و مصادرة للأموال و تضييقًا على الأرزاق.. و يدفعني إشفاقي ورغبتي في لم الشمل على ألا أسلم نفسي لسوء الظن بهم نتيجة لإعلان نظرتهم القاصرة في تصوير حكم مصر المنهوبة والغارقة بدون قشة تتعلق بها والموشكة على الإفلاس؛ على أنها كعكة وغنيمة فأرميهم بالتضليل وبخيانة الأمانة التي وضعها الشعب في أعناقهم كقادة للرأي يعَّول عليهم في إنقاذه.. ولا أتهمهم بفعل الثورة المضادة وأحملهم كل ما حل بنا من كوارث و تهديدات نتجت عن إهدار تلك الأشهر العشرة في فضائيات (الرغي واللت والعجن) و بسبب التفنن في تمطيط الفترة الانتقالية واعتماد نظرية وضع العصا في العجلة.. و لو أحسنت الظن لقلت أن الدبّة بغبائها قتلت صاحبها.
يحثني ديني (وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)) (الفرقان)، ترفعًا أن أصفه بما يستحق ذلك الذي لم يمنعه الحياء و صدق الحقيقة من القول بأن الإخوان آخر من ركب قطار الثورة وأول من نزل منه و لو أنصف- ولا أظنه مارس الإنصاف يومًا- لقال أن التاريخ سيذكر لهم أنهم شجعوا شبابهم على التواصل مع أقرانهم منذ اليوم الأول للثورة تحضيرًا ومشاركة ثم نزلوا بكل ثقلهم أطفالاً ورجالاً و نساء وشيوخًا يوم 28 يناير (جمعة الغضب) ومن خلفهم قادتهم يرابطون في غرف العمليات متابعة ودعاءً و تهجدًا.
وسيكتب التاريخ بحروف من نور قرارهم بعدم رفع أي شعار توحدًا مع أطياف الشعب و هو قرار يتماشى مع منهجهم بالنفرة عند الفزع بلا مَنَّ أو سعي وراء غنيمة- إن كان هناك في الأصل غنيمة-، إضافة إلى حرمان النظام المتربص بالإخوان من حجة وذريعة يتمناها لهرس المتظاهرين وإبادتهم تحت جنازير المصفحات بتأييد وضوء أخضر دولي... فمن المعروف أن الميديا العالمية الخاضعة لقوى الاستكبار العالمية تستبيح دماء الإسلاميين (الإرهابيين) على اعتبار أنها دماء مهدرة... ولو رفعوا شعاراتهم لقالوا استعراض للقوة و قفزًا على الثورة ولسموها (جمعة قندهار)!!!.
يمنعني ديني إلا أن أذكر بكل الإجلال والدعاء لشهداء الثورة جميعًا فتيانًا وفتياتٍ وشيوخًا... في حين لم يمنعهم- الصدق مع النفس قبل الغير إن كانوا يمارسونه- ألا يذكر أحدهم في تجاهل مريب شهداء الإخوان الذين حموا الثورة في بداية الصدام الحقيقي مع فيالق الشرطة يوم جمعة الغضب ثم يوم الفصل و تحقيق النصر في موقعة الجمل، و قبل ذلك و الأهم على مدار ثمانين عامًا لم يتوقف موكب الشهداء وفي مقدمتهم سيد شهداء العصر حسن البنا وشهداء الإخوان في فلسطين وعلى ضفاف القناة ضد المحتل الإنجليزي، و شهداء البغي عبد القادر عودة و فرغلي و الطيب و رفاقهم، ثم الشهيد الزاهد الصابر سيد قطب و صحبه عبد الفتاح إسماعيل وهواش والعشرات الذين قضوا على أعواد المشانق و بالرصاص الحي في ليمان طره وبسياط التعذيب صبرًا، و تم دفنهم بليل في صحراء المقطم ورمال مدينة نصر؛ و السؤال: هل مات هؤلاء في سبيل كعكة حكم مصر؟؟!!
يا الله.. يا الله.. ما أغباهم وتعس من افترى وساهم في إشعال الفتن.. وهو وحده القادر علي إطفائها.. والشكوى لله الذي لا يضيع حقٌ عنده.
--------
* م. محمد أنور رياض مواليد الدقهلية 23 يناير 1935 خريج كلية الهندسة جامعة القاهرة قسم ميكانيكا إنتاج، اعتقل ضمن دفعة يوليو 1955 وقضى عشر سنوات في سجون عبد الناصر.
- مارس هوايته الأدبية في السجن وحصل على الجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة التي نظمتها إدارة السجون وكانت لجنة التحكيم تضم الكاتب يوسف إدريس.
- كاتب منتظم بمجلة المختار الإسلامي يكتب في المواضيع المسكونة بالهم الإسلامي وتغلب علي كتاباته طابع السخرية من العقائد والفكر المستورد.
- من مؤلفاته: القابضون على الجمر وهي رواية تسجل أحداث محنة الإخوان 1954، ورواية ليالي كرداسة التي تسجل أحداث محنة الإخوان 1965.
http://anwarriad.blogspot.com/
anwarriad.blogspot.com