إن رجال الفكر والثقافة والدين والصروح العلمية رجال لهم خاصتهم ودرجتهم ومكانتهم التي لا تدانيها درجة أو مكانة، والأمة الإسلامية أنجبت على مدى تاريخها الطويل من الكوادر المتخصصة والكفاءات المتميزة والقدرات المبهرة ما هو كفيل بالنهوض بها على كافة الأصعدة، فالعلم هو مقياس الأمم، تحيا بعطاء علمائها المخلصين الذي لا ينفد حتى بعد فقدانهم.
من هذا المنطلق أجد نفسي في غاية الحزن والأسى بعدما فقدت الأمة الإسلامية يوم السبت 10 ديسمبر 2011م أحد أعلامها الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس (68 عامًا) الذي يعدُّ أحد رموز الفكر الإسلامي في العصر الحديث، وأحد دعاة الوسطية والمنادين بوحدة التيار الإسلامي في الوطن العربي والعالم الإسلامي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، رئيس تحرير مجلة "التبيان" بعد صراع مع المرض.
الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس رحمه الله من مواليد قرية سندسيس- مركز المحلة الكبرى- بمحافظة الغربية محافظة الغربية بجمهورية مصر العربية في الثاني عشر من يوليو عام 1943م، وحصل على ليسانس الدراسات العربية والإسلامية من كلية دار العلوم- جامعة القاهرة، ثم الماجستير عام 1977م عن أطروحته: "دولة بني حماد في الجزائر"، ونال درجة الدكتوراه عام 1978م عن بحث: "ابن حزم الأندلسي مؤرخًا" من جامعة القاهرة في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، وهو شخصية متميزة علمًا، ولغةً، وفكرًا، وأسلوبًا، وقد حشد كل جهده وإمكاناته لخدمة الإسلام والمسلمين.
فقد تعرفت على هذا المفكر الجليل من عدَّة سنوات من خلال الدراسة، والندوات، والاجتماعات ووسائل الإعلام، وبعد ذلك قمت بزيارته في بيته بالقاهرة، والذي وجدته على درجة عالية من الفكر والثقافة السليمة، لأحرص بعدها على تكرار الزيارة له منفردًا أو مع الوفود الإسلامية القادمة من مقدونيا، وكوسوفا، وألبانيا، ولما لمسته من سماحة وسمت الرجل العالم الجليل، الذي يعني- بحق- بقضايا العالم الإسلامي.
كان رحمه الله دائمًا ما يقدم خدماته للإسلام والمسلمين، وكان سريعًا في تلبية احتياجات من حوله، يعالج القضايا والموضوعات بصورة موضوعية وبشجاعة لا مثيل لها، وذلك منه خدمة للدين وقضايا المسلمين، وخدمة للغة العربية وأبنائها، كما أنني وجدته رحمه الله على درجة عالية من التفكير والتركيز، شديد الفهم لما يدور في أذهان العالم الغربي بالنسبة لما يتعلق بقضايا المسلمين واتجاهاتهم، وهو مفكر ذو تأثير قوي على كل من يقابله، فعندما التقى بمفكري كوسوفا أثر فيهم تأثيرًا شديدًا لدرجة أنهم عندما سافروا إلى كوسوفا أخذوا يفكرون في طريقته ومنهجيته ومعالجته الحاسمة للموضوعات، وقد شغل أذهانهم، ولا يزالون يطلبون مؤلفاته ومصنفاته لقراءتها والاطلاع عليها، نظرًا لما تحتوى عليه من تراث علمي ضخم، ونتاج فكري كبير، فقد استولى المفكر بفعله وعلمه على ألباب المحصلين والمفكرين من أبناء كوسوفا.
وقد وجدت فيه- حقًّا- أنه يخوض غمار البحث في القضايا بهمة ونشاط لم يسبق لهما مثيل، ويسخر قلمه وفكره لأجل الإسلام والمسلمين، ذو بصر نافذ في تفهم القضايا والحكم عليها.
أثرى رحمه الله المكتبة الإسلامية بعشرات الكتب، ونال العديد من الجوائز العالمية، كما حاز رحمه الله على درجة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الدولية بأمريكا اللاتينية عام 2009م، ثم الوسام الذهبي للعلم والآداب والفنون من الجمهورية السودانية عام 2011م؛ حيث قرر الرئيس السوداني عمر البشير تكريمه تقديرًا لما قدمه طوال عمره لأمتيه العربية والإسلامية، عمل الدكتور عبد الحليم عويس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 17 عامًا، ورقي فيها إلى درجة أستاذ (1990م).
ونشاطاته العلمية والثقافية واسعة تغطي أصعدة كثيرة داخل مصر وخارجها، كما أسهم بنصيب كبير في إثراء مجال البحث الفكري، ودرّس في العديد من الدول؛ مما يشير إلى رسوخ قدمه في مجال البحث والدراسة.
ومن أبرز نشاطاته وأعماله في الداخل والخارج، أنه عمل محاضرًا لمادة الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ودرس مواد أخرى متعددة كلها تبحث في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، كما درس تاريخ المغرب العربي والأندلس، وتاريخ العرب والعالم الإسلامي الحديث والمعاصر، تاريخ الفرق والمذاهب والفكر الإسلامي، والتاريخ الإسلامي بكل مراحله.
أما عن نتاجه العلمي والفكري، فإن الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس شخصية علمية فذة،فهو مفكر مبدع متفنن ذو ثقافة عالية، وخبرة واسعة، ودراية تامة بالتاريخ والحضارة والفلسفة الإسلامية، ذو باع طويل في معرفة المذاهب والفرق الكلامية.
فهو باحث منصف، ومفكر ملم بالعلوم والفنون، فكتب في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، والفلسفة التاريخية، والفقه الإسلامي، وحقوق الإنسان، وحماية المرأة في الإسلام والاقتصاد الإسلامي.
فشارك وأدلى بدلوه في مجالات ثقافية عديدة، وقد صنف وألف، فأبدع، وتحلت مصنفاته كلها بالابتكار والإبداع نخلاً، وتعليقًا ومنهجًا، وأسلوبًا، ولغةً، وتميزت كتاباته بالواقعية، وملامسة الحقائق والوصول إليها أينما كانت دون حيد أو زيف، مما يجعل القارئ والمثقف على ثقة تامة بما في كتبه من أبحاث ومقالات، ويطمئن اطمئنانًا تامًّا لما في مصنفاته من معلومات وتحقيقات واتجاهات فكرية.
فقد كتب هذا المفكر الجليل عشرات الأبحاث الأكاديمية الإبداعية حول الفتح الإسلامي لمصر، ومسيرة مصر الإسلامية، وطبيعة التاريخ الإسلامي البشرية والمثالية، وفلسفة التاريخ في أفكار بديع الزمان النورسي، وأثر العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية، والتاريخ الحضاري للقارة الهندية ومشكلات التعليم في أفريقيا.. وغير ذلك.
وقد أشرف على إعداد موسوعة التاريخ الإسلامي في مختلف العصور، وقد اشترك في إعدادها نحو ثمانية أستاذة أكثرهم من مصر، وهي نحو عشرة آلاف صفحة، وغير ذلك الكثير، مما يدل على أنه أسهم بنصيب كبير في عملية التأليف والتصنيف، ومصنفاته كلها مطبوعة ينهل منها العالم ويغرف منها المتعلم، وهي تدل بحقٍّ على عمق فكر مؤلفها، وتميز أسلوبه، وسلامة لغته، وعذوبة ألفاظها، مما يضفي عليها رونقًا وجمالاً، كما أنها تضم بين حناياها أبحاثًا شريفةً، وتحقيقات عجيبة منيفة لا تكاد تجدها عند غيره.
أما عن دوره في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، فإن هذا المفكر الجليل من الشخصيات النادرة التي يبخل أن يجود الزمان بمثلها، فهو من الرجال القلائل الذين تحمسوا لدينهم وإسلامهم، ولعل ما يدفعني إلى أن أقول هذا القول هو حجم الأفكار الهائل المتين الذي أثبته وأنتجه هذا المفكر الكبير.
فمن خلال التتبع والاستقراء حول هذه الشخصية العملاقة وما قامت به من نشاطات وإسهامات فكرية وثقافية اتضح لنا بلا ريب أنها شخصية إسلامية فذة، تحفظ الواقع حفظًا جيدًا، وتعرف الحقائق وأينما تكمن، إذا ما تحدث ذلك المفكر لا بجانب الحقيقة، ولا يبعد عن الواقع، وتلك ميزة لا تتوفر لكثير من الناس في حياتنا المعاصرة.
وقد عالج فضيلته الكثير من قضايا العالم الإسلامي في كل مكان حل فيه أو ارتحل منه فعالج قضية الأسرة المسلمة في كتابه "نظام الأسرة في الإسلام" وعالج مشكلة الشباب من الوجهة الإسلامية، وفي ضوء الإسلام، وتحدث عن حقوق الإنسان فكرًا وواقعًا، وتحدث عن الحضارة الإسلامية وعالج مشكلاتها، وما يعترضها من عقبات، وعالج قضية الثقافة، فبين وشرح ثقافة المسلم في وجه التيارات المعاصرة، وتحدث عن الاقتصاد الإسلامي، وعالج مشكلاته، وتكلم عن كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمعاتنا، وتحدث عن التكافل الاجتماعي بين المسلم من وجهة النظر الإسلامية، وتكلم عن الفكر والمفكرين والمشروع الفكري الغربي.
وهذه كلها قضايا حيوية تستحق البحث والمعالجة، فغاص عليها المفكر بثاقب فكره، وأعمل فيها جهده وذهنه وعالجها معالجة موضوعية مراعيًا الواقع والحال والزمان والمكان، وبين موقف العقل المسلم في مرحلة الغزو الفكري وما يتطلبه من أمور وأحوال.
فهذا المفكر الجليل عاش واقع العالم الإسلامي وقضاياه الحيوية داخلية وخارجية، وحاول بشتى الطرق والوسائل المتاحة اقتراح ووضع الحلول اللازمة لحل الأزمات وتجاوز العقبات.
أما بالنسبة لعلاقات أوروبا بالعالم الإسلامي- خاصة علاقاته بتلك الدول التي تعيش في أوروبا نفسها، فقد صورها المفكر تصويرًا دقيقًا، وبين حقيقة المبادئ المزيفة التي يتستر وراءها الغرب الملحد، وتلك الديمقراطية المشينة التي يتمسك بها، معلنًا المفكر أن جنة أوروبا التي يتشدقون بها في الحقيقة لا يدخلها إلا المخصصون من أوروبا نفسها، أما المسلمون فلا يدخلونها لأنهم مسلمون.
وقد نبه رحمه الله على أن أوروبا وأمريكا وكل ما يسير وراءهم يلعبون بعقول الناس وعواطفهم في ادعائهم أنهم يحافظون على حقوق الناس وحرياتهم.
ومن يريد أن يقف وقفة دقيقة على هذه الصورة، ولكي يتبين له مدى مساهمة المفكر الجليل في خدمة قضايا الأمة الإسلامية فعليه بمطالعة المقال النفيس الذي كتبه "ارحمها لله" تجاه هذا الأمر تحت عنوان: (بيان لذوي البصائر) الذي أبدع فيه وتفنن ووصف موقف أوروبا وأمريكا من العالم- خاصة العالم الإسلامي- وصفًا دقيقًا مبينًا مزاعمهم وشبهاتهم.
ولعل أصدق الحديث عن إيمانه وجهاده عندما حدثت المذابح المروعة في كوسوفا وقتل وشرد المسلمون في منطقة البلقان، قام المفكر وعاش بروحه ووجدانه يداوي الجراح ويدعو إلى التذرع بالصبر والثبات، معلنًا أنه مهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر، وكتب مقالاً قيمًا لبيان المرحلة التي وصلت إليها كوسوفا بعد تلك النازلة الكبرى، والداهية العظمى، والمذبحة الدموية التي وقعت لشعب مسلم مسالم مقهور مغلوب على أمره يقع في قلب أوروبا أعزل من السلاح.
فالأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس رحمه الله يعد بحقِّ من المناضلين عن شعب كوسوفا وقضيته، ولا بد من قراءة أفكاره في هذا المجال فكلامه في غاية الروعة والجمال ينمي الشعور بالوطنية، ويرفع الروح المعنوية ويجلي الحقائق كما هي لا كما يذكرها الآخرون.
ولا يسعني إلا أن أقول إن العالم الإسلامي فقد مفكرًا وعالمًا جليلاً كما أن هذا غيض من فيض وموجز من جزيل، ولو أردنا أن نورد تفصيلاً لحياة الفقيد وجليل أعماله لضاق بنا المقام إن هذه الشخصية شخصية متميزة فريدة يجوب ذهنه كافة القضايا وعلى كافة المستويات في مختلف المجالات، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. فللفقيد الرحمة والرضوان وإذ نودِّع الفقيد، ونحتسبه عند الله سبحانه وتعالى، نواسي أسرة الفقيد الكريم، ونعزِّي قرّاءه وآله وتلامذته بصورة خاصة وللأمة الإسلامية بصورة عامة أصدق التعازي مع الصبر والسلوان، وندعو له بالرحمة السابغة والمغفرة الشاملة، سائلاً المولى أن يتقبله في الصالحين، (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).