نعم أقصد العنوان الذي وضعته للمقالة، فالناس تكثر من الحديث عن النائب الذي نريد، وينشغلون بوضع أسس ومعايير لاختياره، وينصرفون تمامًا عن الحديث عن الناخب الذي هو محور العملية الانتخابية، فهو الذي يقوم بالانتخاب، وهو الذي يحدد من خلال تصويته تركيبة البرلمان القادم الذي هو أهم برلمان في تاريخ مصر.
والنائب الواعي البصير الذي تتطلبه طبيعة المرحلة إنما يختاره- في نظري- ناخب لا يقل عنه وعيًا وبصيرة، من هنا ينبغي أن نتوجه في حديثنا إلى هذا الناخب وما يجب عليه قبل الاختيار وفي أثنائه.
فالناخب الذي نريد صاحب عقل راشد، وقد أعجبني ناخب يعرف أهمية دوره، ويُدرك قيمة صوته، ويستشعر عظم مسئوليته، أعجبني ما قاله لصحفي حينما حدثه عن مواصفات النائب الذي يجب عليه أن يختاره، قال له أرجوك سيدي لا تحجر على عقلي، ولا تسلبني إرادتي، ولا تفرض عليَّ شخصًا بعينه، ودعني أختار لنفسي ووطني من أراه أنا مناسبًا".
عندها سعدتُ بقوله واطمأننت على مستقبل وطني.
- وهو صاحب دين، يؤمن بأن مشاركته في الانتخاب فرضٌ شرعي وشهادة يقيمها لله تعالى، فالله سبحانه يقول: (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) (البقرة: من الآية 282)، ويقول: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: من الآية 2)، وهذا الناخب يعرف أن صوته أمانة تطوق عنقه، ويعلم أن من تضييع الأمانة إسناد الأمر إلى غير أهله، وقال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؛ قيل يا رسول الله، ما إضاعتها؟ قال إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
- والناخب الذي نريد صاحب حس وطني، يُدرك أن مشاركته واجب وطني يحتمه الواقع الذي يعيشه وطنه، فالانتخابات- كما يرى المنصفون- هي السبيل للخروج من النفق المظلم الذي يريد البعض أن نتيه فيه، وهي أيضًا أول الطريق لانتقال الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة.
- وهو صاحب مبادرة، لا يدفعه إلى الإدلاء بصوته عقوبة قررها القانون على مَن لم يدلِ بصوته، وهو لا ينتظر من أحدٍ أن يدعوه إلى المشاركة بل يسبق ويتحرك من تلقاء نفسه؛ ذلك أنه علم خطورة المرحلة ودوره في اجتيازها.
- والناخب الذي نريد صاحب وعي ويقظة، لا تخدعه الدعاوى عن الحقائق، ولا تصرفه الأسماء عن المسميات، وهو لا يتأثر بالضجيج مهما كثر، ولا بالصراخ مهما علا، يعرف جيدًا أين يضع صوته.
- وهو صاحب قدرة على التمييز بين الخبيث والطيب فهما لا يستويان عنده ولو أعجبه كثرة الخبيث، يجتهد في تحرى الصواب، ويعلم المفسد من المصلح، وهو أكبر من أن يبيع صوته مهما كان الثمن، وأجل مَن يغريه أحد بشيء مهما كانت قيمته، منتهى غايته أن يرضى مولاه، وأن يرى وطنه في تقدم وارتقاء.