بقلم: د. جابر قميحة
كان "حزب مصر" آخر مواليد ثورة 1952م "الميمونة": فجده الأول هو "هيئة التحرير"، وجده الثاني كان اسمه "الاتحاد القومي"، وآخر الجدود هو "الاتحاد الاشتراكي" الذي أنجب المحروس "حزب مصر"، وفي أغسطس سنة 1978م أعلن السادات "بقرار منه" إنشاء "الحزب الوطني"، ولم يصدر قرار بحل "حزب مصر"، وهذا يعني أن من تمسك بعضويته في حزب مصر لا يعد خارجًا على القانون، ولكن القلة القليلة جدًّا التي أعلنت تمسكها بهذه العضوية ألقي بها في غيابة الاعتقال، أما الغالبية الغالبة من النواب فهرولوا إلى الالتحاق "بالحزب الوطني" الذي أعلن السادات مولده، دون أن يعلن عن برنامج له.
وبدأت محنة مصطفى أمين: وفي عموده (فكرة) كتب مصطفى أمين في صحيفة "الأخبار" بتاريخ 15/8/1978م يقول: "كنت أتمنى لو أن أعضاء مجلس الشعب لم يهرولوا إلى الانضمام إلى حزب الرئيس السادات الجديد، كنت أتمنى لو أنهم انتظروا حتى يعلن السادات برنامج الحزب وبحثوه ودرسوه، ثم اقتنعوا به، وبعد ذلك قرروا الانضمام، كنت أتمنى لو أنهم انتظروا حتى يتألف الحزب فعلاً...".
وقامت قيامة السادات ورجاله، فأصدر عبد المنعم الصاوي- وزير الإعلام- قرارًا بمنع مصطفى أمين من الكتابة السياسية، فتوقفت "فكرة" ابتداءً من 18/8/1978م، وفي اجتماع بمدينة "تلا" بتاريخ 22/8/1978م نوَّه السادات بقرار عبد المنعم الصاوي، وهاجم مصطفى أمين بشدة.
وبعد الذي ذكرته آنفًا أذكّر القارئ بما يأتي:
1- أعلن السادات ميلاد الحزب الوطني بلا دعاية ظاهرة، فقد سبق للسادات ورجاله إظهار الاعتزاز الفائق بحزب مصر ومبادئه كتنظيم حزبي غير مسبوق.
2- إثر ذلك أبدى مصطفى أمين اعتراضه في 15/8/1978م فكانت محنته التي أشرنا إليها.
3- تمسك أعضاء من ذوي الحيثية بعضويتهم في حزب مصر دون أن يهرولوا إلى الحزب الجديد، فألقى بهم السادات في غيابة الاعتقال، ومن هؤلاء: جمال ربيع، وأحمد سلطان، وعبد العظيم أبو العطا- وزير الري- وقد وافته المنية وهو في المعتقل.
4- بعدها بشهر (في 18/9/1978م) أعلن رسميًّا عن اتفاقية كامب ديفيد، وذلك في مؤتمر صحفي حضره موقعو الاتفاق الثلاثة، وهم: "السادات، وبيجن، والرئيس الأمريكي جيمي كارتر".
5- وتوالي هذه الوقائع بهذه السرعة اللاهثة يؤكد صحة ما قيل من إصرار بيجن وكارتر على "إنشاء" حزب جديد يمثل قوة شعبية يستند إليها السادات في تأييد هذه الاتفاقية، وطبيعة هذه النشأة، وما عاناه الشعب من ديكتاتورية هذا الحزب وحكومته، وإغراق المواطنين في مستنقعات المشكلات، وفتح الباب للصوصية والرشوة والفساد الإداري، وضرب كل من يقف في وجه هذه المفاسد، كل أولئك جعل هذا الحزب "محظورًا" بالمفهوم النفسي الواقعي للحظر، فهو محظور ممنوع بطبيعته من التسلل إلى قلوب الناس، والحظر لا يكون بقرار حكومي، ولكن بإرادة شعبية حرة.
وفي هذا السياق أُذَكِّر القارئ بأن المخرج السينمائي حسام الدين مصطفى كتب ردًّا خائبًا على مصطفى أمين نشر في صحيفة "الأخبار" بتاريخ 16-8-1978م عنوانه "لا يا أستاذ مصطفى"، ومما جاء فيه ".... أي برنامج تتحدث عنه- يا أستاذ مصطفى؟- إن البرنامج الحقيقي للحزب الوطني هو أنور السادات نفسه بما عرف عنه من كفاح ووطنية...".
وأجدني أقول لهذا المخرج: إن كلامك هذا يترتب عليه أن الحزب الوطني يعيش بلا برنامج بعد أن قتل برنامجه أنور السادات، غفر الله له، ورحم الله مصطفى أمين.
----------
gkomeha@gmail.com