قال صديق الثورة وشريك ليالي ميدان التحرير: هل تظن أن المجلس العسكري سيقول للإخوان: تفضلوا الحكم؟ قلت: الانتخابات البرلمانية هي أسهل وأنجح وأوضح طريق للحكم المدني الديمقراطي الذي يرضي الجميع.

 

قال: بل ستكون أسهل طريق للفوضى والقضاء على البقية الباقية من الثورة، وستشهد شلالات الدم والصراعات العصبية وتسلل المال الحرام وبقايا الحزب الوطني إلى البرلمان.. إلخ.

 

كان هذا الحوار أثناء استفتاء مارس، وكان الباعث عليه هو اعتراض صديقي وأخي الحبيب بشدة لا تقبل المناقشة على موافقة الإخوان على التعديلات الدستورية.

 

الشاهد أنها كانت المرة الأولى التي أسمع فيها تأكيد أن الانتخابات البرلمانية لن تكون بكثافة ونزاهة وهدوء الاستفتاء، وأنها ستكون انتخابات دموية بكل ما تحمله الكلمة من معنى!.

 

وقد بدأ الترويج لتلك "الافتكاسة" على نطاق واسع، بعد أن فشلت جميع محاولات من سموا أنفسهم بالنخبة لإقناع الشعب المصري بخطورة الموافقة على هذه التعديلات، وجاءت النتيجة صادمةً صاعقةً كما هو معروف ومعلوم.

 

وتوالت "الافتكاسات"، بدايةً من الدستور أولاً، مرورًا بالجمل والسلمي وشرف، وفتنة ماسبيرو، وفتنة المحامين والقضاة، وتهديد الفلول أبناء الفلول بحرق الصعيد، وإعلان استقلاله التام أو الموت الزؤام، أو حتى الموت غير الزؤام، مثل مخلوعهم المسجَّى على نقالة القضاء الشامخ!!.. وأخيرًا فتنة محمد محمود والجنزوري.. فتن كقطع الليل المظلم جعلت الحليم حقًّا حيران، وها هو مساء السبت 26 نوفمبر لا يصدق أحد أو يستوعب أن يتم إجراء الانتخابات حتى أكثر الناس تفاؤلاً.

 

وحدهم الإخوان المسلمون هم الذين راهنوا على وعي الشعب، وأكدوا ثقتهم في وطنيته وذكائه وحضارته، تحملوا الاتهامات الباطلة؛ لأنهم شخَّصوا ما يحدث بالفتنة ومحاولة الاستدراج لوقف الانتخابات واستحقاقاتها الديمقراطية.

 

رويدًا رويدًا بدأ الجميع يوقن أن لا مخرج ولا منقذ من الفوضى وانتقال الحكم للمدنيين إلا بالمسارعة بإجراء الانتخابات بأسرع وقت ممكن.. ولكن.. المخلصون طالبوا بتأجيلها لمدة أسبوعين، أو تأخير المرحلة الأولى فقط، وأخيرًا تمنوا لو تمَّ استثناء دائرة قصر النيل وتأجيل انتخاباتها لوقوع ميدان التحرير وشارع محمد محمود في نطاقها.

 

وجاءت اللحظة المرتقبة بعد التخوفات والتخوينات والتشكيكات، وأيضًا بعد كثير من التحريض الرخيص الذي مارسته وسائل إعلام لم تعد تستحيي من ولائها لرجال أعمال وجهات تمرَّغت في الولاء للمخلوع من قبل وربما من بعد!.

 

جاءت لحظة انطلاق الانتخابات بعد ممارسة أفظع درجات الترهيب والتفزيع؛ لدرجة أن يُعلن عن تأمين القاضي المشارك فيها بمليون جنيه، ثم تصعيدًا للإرهاب يعلن بعدها أن القضاة سينزلون إلى اللجان ومعهم أسلحتهم الشخصية لحماية أنفسهم والحفاظ على سلامتهم من الاعتداءات الجسيمة المتوقعة!!.

 

جاءت لحظة البداية، وإذا بالشعب المصري العظيم يعلِّم كيف تكون الحضارة وكيف يكون الرقي، جاءت الانتخابات معجزة بكل المقاييس، معجزة لم يتخيلها أحد، نتكلم عن الإقبال الهادر، اختفاء العنف والدموية التي حذرنا منها النخبة.

 

وللأسف لم يتذكر أحد من راهنوا على هذا الشعب العريق، وبدلاً من أن تقدم صحف الإثارة والولاء للمال المشبوه اعتذارًا للشعب وللإخوان راحوا يبحثون عن النقطة السوداء في هذا الثوب الأبيض بميكروسكوب؛ من أجل تضخيم بعض التجاوزات التي ترتبط بالمشهد الانتخابي ككل، ويشارك فيها كل المرشحين والأحزاب بلا استثناء كما جاء في بيان حزب الحرية والعدالة.

 

لقد أربك المشهد الديمقراطي حسابات كتبة التهييج والإثارة السياسية فخرجت تحليلاتهم وصحفهم تفضح خبايا صدورهم.

 

- أحدهم أخذ يتحسَّر على هذه الجموع الغفيرة التي كان يجب الاستفادة منها في كتابة الدستور أولاً، كذلك استنتج بعبقريته أن 90% من المقاعد الفردية سيتم فيها إعادة؛ مما يعني الحاجة إلى نزول هذه الآلاف المؤلفة مرةً ثانيةً، مما استوجب تحسره أو أسفه!!.

 

وكأن سعادة المحلل الجهبذ يعتقد أن الديمقراطية يستعملها أو يمارسها الشعب مرةً واحدةً وكفى!.

 

- رئيس تحرير إحدى صحف الإثارة خذله المصريون ولم يعبؤوا بإثارته المشبوهة وحملاته المتتالية على الإخوان في سبوبته الجديدة، فجاءت عناوين الصفحة الأولى الرئيسية لنشرته هكذا: (يحيا الشعب وشكرًا للشهداء دماء الشهداء تضيء الطريق إلى الديمقراطية.. نجح الجيش حتى ساعته وتاريخه.. هذا مجرد اليوم الأول.. والرحلة طويلة).

 

إن تذكر الشهداء في هذا العرس الديمقراطي وفاء ونبل إنساني، بل هو حق وواجب، ولكن الإلحاح بعنوانين اثنين لا يضيف الثاني جديدًا إلى الأول نوع من المزايدة الرخيصة ورغبة دفينة لتجاوز الوفاء للشهداء ودمائهم الزكية إلى "العكننة" على الشعب وسرقة فرحته في هذا اليوم المشهود.

 

أما العنوانان الآخران فهما يؤكدان ما نذهب إليه دون أدنى شك؛ إذ تحاول الصحيفة- بكل ما أوتيت من بلاغة أو صفاقة- التشكيك في المشهد الديمقراطي بالإيعاز بأن استمراره محل شك.

 

وبالطبع استمرار المشهد نظيفًا راقيًا أمر لا يعلمه إلا المولى سبحانه وتعالى وترجوه وتتمناه القلوب المخلصة، ولكن اليوم الأول ونجاحه يجعل ما بعده أسهل وأيسر بطبيعة الأشياء.

 

أما قراءة رسائل فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين بطريقة لولبية حلزونية في المقالين الرئيسين للجريدة فقد ردت عليهما جموع الشعب الذي يعرف من يعقد الصفقات ومن يعقد المزادات لبيع رأسه وقلمه... إلخ.

 

- أما الجريدة الحاصلة على جائزة "هوبل" في فبركة الأخبار عن الإخوان؛ فقد كانت فرصتها في تسويد الصفحات عن تجاوزات الإخوان؛ لدرجة "أنهم خصصوا ميكروباص لتوصيل الناخبين إلى اللجان مجانًا بعد أن يسألهم: إنت إخواني يا عم؟ فإذا قال: نعم؛ ركب، أما إذا لم تثبت إخوانيته فليس له حق الركوب"!!!.

 

ولا أعرف حتى وإن صدقت الرواية هل من المفروض أن يؤجر الحرية والعدالة سيارات لنقل مؤيدي حزب الوفد أو المصريين الأحرار مثلاً؟!

 

المهم.. الأكثر ظرفًا في الجريدة هو مقال تحت عنوان (أي برلمان ننتظر؟!) وهو أشبه ما يكون بـ"المناحة" والتعديد على الموتى منه مقالاً اختتم بما يلي: "اليوم قد يكون قد ظهر مدى الإقبال على العملية الانتخابية ومدى استقرارها وأمنها واستمرارها.. الآن تجري الانتخابات وننتظر البرلمان.. لكن أي برلمان هذا الذي ننتظر؟!".

 

ونقول: إن الإقبال والاستقرار والأمن والاستمرارية مدعاة للفخر والزهو، أما من كان يراهن على العزوف والفوضى والتعثر فنسأل الله أن يموت بغيظه ليبقى الشعب المصري عفيًّا قويًّا لا يستطيع أصحاب التاريخ الملطخ المشين أن ينالوا من وعيه ويقظته.