تسبب قرار جماعة الإخوان، بعدم المشاركة في اعتصام التحرير الذي بدأ عقب مليونية المطلب الواحد  (الجمعة الماضي) في حالة عداء شديدة لها من قبل غالبية المعتصمين في الميدان الذين خصموا جزءًا كبيرًا من عدائهم للمجلس العسكري وصبوه صبًا على الإخوان، رغم أن الإخوان لم يطعنوا على المعتصمين بل وصفوهم بصفات النبل والشرف والشهامة، وإن كانوا فقط قرروا عدم النزول للميدان منعًا لصدام مدبر مع المجلس العسكري وصلت إليهم معلومات بشأنه.

 

الإخوان لم ينزلوا إلى الميدان، ولكنهم أعلنوا في بيان قوي عن تبنيهم مطالب الميدان، كما أن عددًا من شبابهم نزل الميدان باعتراف  كل المعتصمين، ومع هذا لم يسلموا من النيران الصديقة التي وُجهت إليهم على امتداد الميدان من قبل شركائهم في الثورة، ولم يخلُ مجلس للمعتصمين من حديث عما يصفونه بخيانة الإخوان للثورة، وللأمانة كان في بعض هذه المجالس من يدافع عن الإخوان ويلتمس لهم العذر، وربما كان هؤلاء المدافعون من شباب الإخوان أنفسهم أو من شباب بعض القوى الإسلامية أو السياسية الأخرى، لكن الغالب هو السب والقدح والتخوين، وإذا كانت قيادة الإخوان قد حافظت على هدوئها تجاه هذه الشتائم، فإن عددًا لا يُستهان بهم من شبابهم الذين لحقوا بالمعتصمين لم يحتملوا هذه الشتائم وخرجوا من الميدان.

 

شخصيًّا نزلت الميدان أكثر من مرة منذ يوم السبت الماضي لأنني لم أستطع مقاومة عاطفتي نحو الميدان الذي قضيت فيه أجمل 18 يومًا في حياتي من قبل مع أبنائي، ومع كل الثوار الأحرار، وشخصيًّا كنتُ ضد موقف الإخوان بمقاطعة الاعتصام، وكتبتُ من قبل عن مليونية الجمعة وعن الاعتصام اللاحق لها، واصفًا كل ذلك بثورة التصحيح، وقد هممت بالكتابة ناقدًا لعدم نزول الإخوان إلى الميدان، لكنني طلبت من القلم أن يتريث قليلاً، وهذه عادتي قبل الكتابة في أي موضوع خلافي، وظللت مترددًا في الكتابة حتى وقعت الواقعة وجرى الدم أنهارًا في شارع محمد محمود، ساعتها تيقنت من صحة موقف الإخوان، وزاد يقيني مع ترددي على الميدان، ومشاهداتي الشخصية وحواراتي مع عدد من الأصدقاء المشاركين في الاعتصام والمتحمسين جدًّا له، والناقمين بطبيعة الحال على موقف الإخوان.

 

في الميدان كان الإخوان الغائب الحاضر والقاسم المشترك بين معظم الحوارات كما ذكرت من قبل، وكنت أقول للزملاء والأصدقاء الغاضبين لو انشغلتم بالبحث عن حل ومخرج من هذه الأزمة وعن طريقة لوقف نزيف الدماء  لكان ذلك أجدى من قذف وسب الإخوان، لم أكن راضيًا أبدًا عن المواجهات العنيفة في شارع محمد محمود، والتي أسفرت عن مقتل العشرات من خيرة شباب مصر، ولم أقتنع أبدًا بما كان يسوقه المعتصمون من مبررات لمحاولات اقتحام الشارع وديوان وزارة الداخلية، مدعين أن الوزارة هي وكر الشيطان، وهي رمز استبداد نظام مبارك، وبالتالي وجب حرقها، ونقلها إلى مكان آخر بعد تغيير اسمها وعقلية القائمين عليها.

 

أعترف أن قطاعًا كبيرًا من المعتصمين كانوا غير راضين عن مواجهات محمد محمود، لكنهم لم يتمكنوا من وقفها لوجود مناصرين آخرين لها في الميدان، وما زلت أتذكر خطاب المتحدث باسم الجمعية الوطنية للتغيير مساء الأربعاء في ميدان التحرير أمام حشد من المعتصمين رافضًا إخلاء شارع محمد محمود، بينما كان القتلى يتساقطون في الشارع.

 

لو كان الإخوان قد شاركوا في الاعتصام لتحملوا تهمة إثارة الفوضى ولتحملوا مسئولية الدماء التي أُريقت؛ ولكان ذلك سببًا كافيًا لفرض حالة الطوارئ وإلغاء الانتخابات، وتنصل  المجلس العسكري من كل الالتزامات التي قطعها على نفسه، ووجد لنفسه مبررًا للبقاء في السلطة وساعتها كان سيجد دعمًا شعبيًا كافيًا.

 

لقد شوَّه بعض المنتسبين لـ"الألتراس" ولقوى اليسار المتطرف الثورة السلمية الثورة بلجوئهم إلى العنف وإلقاء قنابل المولوتوف والحجارة على الأمن المركزي، هذه القوى اليسارية المتطرفة لا تخفي توجهاتها، ولا ممارساتها العنيفة، بل إنهم أنشأوا صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لمَن يصفون أنفسهم بالحركة الأناركية أي الفوضوية، وراحوا يصدرون التوجيهات بالقتل والتدمير والحرق بطريقة واضحة يعاقب عليها القانون، وأتذكر أنني دخلت في حوارات مع بعض هؤلاء الأناركية في إبريل الماضي أثناء إغلاق التحرير، وقبل أن أعرف هويتهم السياسية، وكان مبلغ علمي أنهم مجرد منتمين لليسار، وقد كانوا في حينها يرون أن ما حدث في مصر لم يرق إلى وضع ثورة، بينما كانوا يرون الثورة الحقيقية هي ما يحدث في ليبيا.

 

وبعيدًا عن أنهار الدم في التحرير نتيجة الغباء السياسي لرجال الأمن وتعاملهم بمنطق الثأر، والتحريض الأغبى لبعض الموتورين السياسيين، فإن الميدان لم ولن يجمع على طريقة للخروج من الأزمة، سواء فكرة حكومة الإنقاذ أو المجلس الرئاسي وأسماء الأشخاص المرشحين لذلك، ويكتفي المعتصمون- وهذا حقهم- بترديد هتافات وشعارات عامة حول إسقاط حكم العسكر بشكلٍ عاجل، وبشكل أكثر تفصيلاً إسقاط المشير الذي أعاد الكرة إلى الميدان بتلويحه بالاستفتاء على بقاء المجلس أو رحيله بشكلٍ عاجل، رغم أن هذا الأمر ليس من حق المشير الذي لم يتول السلطة بناءً على استفتاء أو انتخابات، ولكن هذا المخرج أصبح مقنعًا لقطاع كبير في الشارع الراغب في الاستقرار، والانتقال السلمي للسلطة عبر الانتخابات، والذي بدأ يعبر عن نفسه في شكل مظاهرات هنا وهناك.

 

لقد أصبحت مقتنعًا تمامًا أن الانتخابات هي الطريق الأكثر واقعية لنقل السلطة من الحكم العسكري إلى المدني، وقد بدأت عجلة الانتخابات الدوران بالفعل مع بدء تصويت المصريين في الخارج، وغدًا ستنطلق الجولة الأولى، ورغم محاولات بعض القوى لإشاعة الخوف والهلع لمنع الناخبين من التوجه إلى الصناديق، فإن غالبية الشعب المصري في القرى والنجوع والأحياء والمدن تهفو لممارسة حقها الانتخابي لأول مرة بنزاهة تامة، كما أن هناك مئات اللجان الشعبية التي ستساعد الجيش والشرطة في حماية اللجان الانتخابية، والتي لن تسمح لأحد أن يعكر صفو الانتخابات، وإذا كان البعض يتحدث عن احتمالات وقوع أعمال عنف وقتلى في الانتخابات رغم كل هذه الاحتياطات الأمنية، فإن الثابت تاريخيًّا أن كل الانتخابات السابقة شهدت أعمال عنف وقتل، وبالتالي فوجود بعض هذه الحالات في الانتخابات الحالية يبدو أمرًا عاديًّا.

 

لستُ متحمسًا لتولي الدكتور الجنزوري رئاسة الوزراء، خاصةً بعد أن شاهدته في مؤتمره الصحفي الأول وقد أنهكته الشيخوخة، ولكن علينا أن ندرك أن حكومته ستكون أقصر حكومة في مصر منذ 60 عامًا، وأن مهامها محدودة وهي استكمال إجراء الانتخابات (لو تم تشكيلها قبل نهاية الانتخابات) وتوفير الأمن والاستقرار، ووقف نزيف الاقتصاد بما يمتلكه الجنزوري من خبرة في هذا المجال، وأعتقد أن من المناسب فعلاً تشكيل مجلس استشاري وليس رئاسيًّا لمعاونته من مرشحي رئاسة الجمهورية وربما غيرهم، حتى يتمكن من إنجاز مهامه وتسليم الراية لحكومة منتخبة بعد أربعة أشهر.

 

حين تنتهي الانتخابات النيابية لمجلسي الشعب والشورى ويعقد المنتخبون في المجلسين اجتماعهم الأول مطلع أبريل لاختيار اللجنة التأسيسية للدستور، ستبدأ بعدها مباشرة ربما بيوم أو يومين إجراءات انتخابات رئاسة الجمهورية، وهنا نطالب المجلس العسكري بتحديد جدول زمني واضح لفتح باب الترشيح ومواعيد الطعون والدعاية الانتخابية وأيام الانتخابات والنتيجة.. إلخ، وإذا لم يف المجلس العسكري بهذه التوقيتات فإن ميدان التحرير باق أمامنا مع غيره من الميادين، ومن تمكن من إسقاط رأس النظام لن تعجزه أبدًا أطراف النظام.