منذ اندلاع ثورة تونس المجيدة في ديسمبر 2010م، نشرتُ مقالاً لي بهذا العنوان، وتوقعت فيه أن تنتشر الثورة من تونس إلى باقي الدول العربية وأولها مصر، وكان هذا التوقع مبنيًّا على منطق هو أن الظلم في بلاد العرب واحد، وأن الشعوب المقهورة كلها في الهم سواء، وأن المقدمات التي حدثت في تونس أدت إلى الثورة، وتلك هي نفس المقدمات الموجودة في مصر وباقي بلاد العرب، وسوف توصلنا لنفس النتيجة وهي الثورة.والآن وبعد ما يقرب من عشرة أشهر؛ أنظر إلى التجربة التونسية والتجربة المصرية وألاحظ الفارق الكبير، فمثلاً:

 

تولى رئاسة الدولة في تونس رئيس البرلمان، وتولى إدارة شئون البلاد، عندنا المجلس الأعلى للعسكر، وشتان بين عقلية الإدارة المدنية والعقلية العسكرية، والنتائج التي وصلنا إليها تغني عن البيان.

 

تم عزل أعضاء التجمع الدستوري المنحل سياسيًّا في تونس، بل إنه تمَّ إلغاء قوائم ناجحة للعريضة الشعبية لاحتوائها على رموز من الحزب المنحل، وتمَّ عندنا عمدًا منح ذيول الوطني المنحل الفرصة، وتمكنوا بالتباطؤ والتواطؤ من الترشيح لخوض الانتخابات، وكأنك يا أبو زيد ما رحت التحرير ولا جيت.

 

لم يدخل أهل تونس في متاهة الدستور أولاً؛ حيث توافقوا بسرعة على هذه النقطة، وقد يكون بسبب حكمة وعقل بعض الساسة المخضرمين عندهم، وتجاوزوا بنجاح هذه الفتنة (التي وقعنا فيها وقسمت المجتمع المصري إلى قطبين متنافرين)، ونجحوا في انتخاب الجمعية التأسيسية وتوافقوا على رئيس الحكومة ورئيس الدولة، وتنحى راشد الغنوشي جانبًا بحكمة سياسية كبيرة، وصاروا على أعتاب ما يعرف بالجمهورية التونسية الثانية، أما أهل المحروسة فدخلوا في دوامة الاستفتاء والإعلان الدستوري وما نتج عنه من استقطاب حادٍّ في المجتمع بين الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين، وأصبح عندنا من جديد إسلاموفوبيا وليبرالوفوبيا وعلمانوفوبيا، ونسينا جميعا أننا مصريون ووطنيون، وتركنا التركيز على خارطة طريق لإنجاح أهداف الثورة، بل وتركنا شباب التحرير الثوار النبلاء وتخلينا عنهم فصاروا كالأيتام على مائدة الساسة اللئام، وضيعنا وقتنا وجهدنا هباءً فلا دستور وضعنا ولا انتخابات أنهينا ولا رئيس عرفنا وكله كلام (فضائي) للأخ عبد السلام (الهوائي)، ومازلنا ندور في الساقية، ونعقد المؤتمرات عند الصاوي، والآن وبعد الموجه الثانية للثورة عدنا إلى المربع الأول من جديد.

 

في تونس بن علي هرب، فتم تطهير البلاد وعزل الفاسدين، ومبارك وزمرته في مارينا طره يخططون لحرق مصر، وأذناب النظام المخلوع الرسمية وغير الرسمية ينفذون المخطط في كل ربوع المحروسة، فيا ليته هرب ويا ليتنا قطعنا دابر الذيول (الفلول).

 

كانت الرسائل التطمينية للنهضة وإسلاميو تونس عملية إلى حدٍّ بعيد من خلال ممارساتهم السياسية، والتي ذكرت منها توافقهم رغم فوزهم بالانتخابات مع باقي القوى السياسية على رئيس الدولة ورئيس الجمعية التأسيسية ورئيس الحكومة وتنحي الشيخ راشد الغنوشي جانبًا وعزوفه عن كافة المناصب السيادية بالرغم من أنه رمز سياسي إسلامي، وهو يمثل فزاعة للبعض في الداخل والخارج، فآثر الرجل مصلحة البلاد والعباد، فهل وصلت رسالته لبعض المرشحين المحتملين لرياسة الجمهورية المصرية الثانية؟! أرجو ذلك.

 

أما عندنا فكانت رسائل الإسلاميين التطمينية وما زالت حتى الآن مجرد كلام لم يتم اختباره عمليًّا من الداخل أو الخارج، ونحتاج لمواقف عملية إما لإثباتها أو نفيها.

 

في تونس تمَّ دمج كثير من شباب الثورة التونسية في العملية السياسية برمتها ومن كل التيارات ولكننا في مصر وللأسف الشديد كان لدينا شبه تعمد لإقصاء وإبعاد شباب الثوار عن المشهد السياسي، وتمَّ ارتكاب هذه الخطيئة السياسية من كافة القوى السياسية المصرية على اختلاف أطيافها بحجة قلة خبرة الشباب، ونسوا أنهم بذلك ظلموا مصر وحرموها من تكوين جيل من السياسيين الشرفاء الشباب يمكن أن يقدموا للوطن جهودهم لعشرات السنين القادمة، نعم لقد ظلموا الشباب وظلموا مصر بل، وظلموا الأجيال القادمة، وكما قال الشاعر:

 

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة  على النفس من وقع الحسام المهند

 

الخلاصة: تونس الآن على أعتاب الجمهورية الثانية،ومصر مازالت بعيده جدًّا وقريبة جدًّا من العتبة (الخضراء طبعًا) فالثوار لازالوا في التحرير.

 

تونس تلمس تحول ديمقراطي حر على أرض الواقع، ومصر تنتظر المجهول أو المأمول.
يا سادة: غفر الله لنا جميعًا.

 

يا سادة: أليس منكم رجل رشيد؟، فإن لم يكن منكم رجل رشيد، فأتمنى أن يكون راشدًا (المصري وليس الغنوشي)
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!.